زغاريد من قلب المذبحة

بقلم: الصحافية وفاء بهاني، مديرة الصفحة الوطنية في الوكالة.

جلست صبرا تمشط شعرها وقد شابت منها الجديلة،
وأيلول مستلقٍ يمد ذراعه يواسي وجه شاتيلا..
كم مرَّ على تسلل الموت لنوم المخيم وجز أحلامه من العيون؟!
وكم سقطت أحاديث في حجر ذلك الليل ولم تزل أصواتها تحيك النهايات؟؟!
كم مرَّ على الأمنيات التي ربطت بالحبال لتذبح بعد أمسية شاي صافية؟؟!
صبرا لم تزل تهرب بالعيون نحو الشمال…
لا شيء يربط نياط القلب، ولا حجة حاضرة تقف سداً في مجرى الدمع الذي لا يجف…

لبنان يغفو في رائحة منتنة، وطاولة الزهر مفتوحة على آخرها،
وحجر النرد يدور في الساحات، ويقفز من الشبابيك، ويقتلع الأبواب من قلوب ساكنيها.
صبرا على حافة الجرف، والهاوية سحيقة لا قاع لها!
قال الجندي:
– هل أنت جاهز بما يكفي لنشرب نخب دم لا يتخثر؟؟!
– نعم؛ ربما نحن مجبرون على تصفية خاناتهم من الأعداد،
لكننا نعلم أن تطهير المخيم سيترك أثراً لا يمحى من الذاكرات المقبلة،
ثم إن أيلول الكئيب هذا سيحمل لنا مجداً لن تطاله دول عظمى مهما ظنت أنها قادرة على خلقه.

ثلاث ليالٍ كانت تزحف فوق الجثث…
تتأبط العفن وتثير الخوف، تنشر القلق وتبث الرعب في الصدور…
ثلاث ليالٍ كانت ثقيلة بما يكفي لجزع الأحياء من إخلاء الضحايا من على وجه صبرا…
ثلاث ليالٍ كانت أكبر من أن يدرك البكاء ضالته في وجوه المتنصلين من الحقيقة..!
ثم إن صبرا لم تستغث وقد افترسها الموت على مهل…
لم تقطن في عرائشها…
ولم تغلق قميصها على ثديين مبتورين…
ولم تلعق بقايا الدم عن شفتيها…
لقد كانت منهكة حد التراخي…
وكان قداس أبنائها أطول من أن تقتفيه بأيام عزاء،
لقد تنحى العويل طويلاً إذّ حضر النشيد!

أيلول…، ومنجل الحصاد…
والشمس التي تجبرت بمن سقطوا في الأزقة…
أطراف الأصابع… وآثار الطعن…
وسلاسل الحبال التي نمت بلا هوادة في شواهد المقابر الجماعية…
لقد غذت ثأرها طويلاً وبطيئاً جداً،
وحمّلتنا أكفان من رحلوا، كي لا ننكر فينا امتداد الجذور التي قطعت…
وجه صبرا ينتحل منا العيون كي لا ننام على أمس مستباح.

شاهد أيضاً

أمسية شعرية تُضيء أجواء الوطن

بتعاونٍ بين إتحاد الكتّاب اللبنانيين واللقاء الأدبيّ العامليّ وبيت الشِّعر: أمسية شعرية تُضيء أجواء الوطن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *