تحرير: ماغي الحاصباني.
هل سمعت يوماً بحرب بلا طرفي نزاع يتبادلان اطلاق النار؟، حرب قد يكون فيها الطرفين متقاربين جداً أو حتى على مسافة متوسطة؟، قد يخطر ببالك الآن أن هذا الكلام مجرد هراء، ولكن الحقيقة مختلفة تماماً، دعني أعرفك على الحقيقة مع الاشارة إلى أن سلاح الطرف الأول هو مرضه، أما الطرف الثاني فيملك كلمته ونظراته كأقوى سلاح فيا للعجب!

ذات يوم قلب حياتك رأساً على عقب تعرضت لعارض صحي كاد أن يفقدك حياتك، ولكنك نجوت من الموت ولم تنجُ من تشخيصك بمرض عصبي. وما يسيطر حينها الخوف من الكلمة قبل معرفة تفاصيل المرض لأن مجرد معرفتك بأنك مصاب بهذا المرض أول ما يراودك سؤالين فقط: “هل أنا مجنون؟!، ماذا سيقول عني الناس؟”، سؤالان من المفترض أن يكونا في خاتمة قائمة الأسئلة ولكنهما وللأسف سيطرا على قائمة الأولويات.
ومن هذا المنطلق، ما تعريف الأمراض العصبية؟، وهل هي فعلاً جنون؟
تعرف الأمراض العصبية بأنها حالات تؤثر على الدماغ والحبل الشوكي والأعصاب، وتنتج عن مشاكل في التركيب أو الكيمياء أو الاشارات الكهربائية. وتسبب أعراضاً حركية كضعف العضلات والشلل، حسية كالخدر أو مشاكل في الرؤية والسمع، ادراكية كفقدان الذاكرة ومشاكل في النطق، اضطراب النوبات كالصرع…
عندما يتم تشخيصك بأحد الأمراض المذكورة أعلاه عموماً ومرض الصرع خصوصاً (لماذا الصرع خصوصا؟، لأنه مرض ذو طابع النوبات أي حدوث تشنجات لا ارادية: ارتجاف، سقوط، فقدان وعي، فقدان ذاكرة مؤقت بعد النوبة…)، قد يبدو وكأن المريض منفصل عن الواقع، وعندما يسأل الناس عن طبيعة وضعك الصحي وتخبرهم بالحقيقة، يبدو وكأنك فتحت باب حرب باردة غير معروفة النهاية على نفسك.
فعلى سبيل المثال لا الحصر، تكون ردة فعل أقاربك برفض تصديق الحقيقة وكأنك ذو ذنب عظيم والطلب منك ألا تخبر أحد عن طبيعة مرضك، أو محاولة تغليف كلمة “مجنون” بعبارات يعتقدون أنها أقل جرحاً لك مثلاً أنك ذو حالة نفسية مضطربة أو غير متزنة، إضافة إلى القول: “لا بالطبع مرضك ليس كذلك كمحاولة لرفض الواقع”.
أما القسم الثاني: فيختار ألا يسمح للسانه أن يطلق سهامه غير مدرك أن نظراته تولت الأمر وقامت بالواجب، فنظرات الشفقة تلك تكون قاتلة.
لماذا كل هذا؟، ولماذا يصبح المريض وسط حرب لم يختر أن يخوضها؟، لماذا قد يضطر لتبرير مرضه واقناع الناس أن الأمراض العصبية ليست جنونا؟، وما الرابط بين ربط المرض العصبي بالجنون؟، يعتبر هذا الربط ربطا تاريخياً وثيقاً حيث كانت الأمراض العصبية والنفسية تدمج ولم تكن الفروق ظاهرة مما رسخ فكرة أي اضطراب دماغي هو حتما جنون.

من هنا تبقى الحقيقة العلمية التي قد تخالف توقعات ورغبة الكثير بأن الأمراض العصبية تؤثر على بنية ووظيفة الجهاز العصبي أي الدماغ، الحبل الشوكي، الأعصاب كالزهايمر، باركنسون، الصرع أو اصابات الدماغ تتسبب بمشاكل في الحركة والذاكرة والادراك، اضافة الى الخلل الكهربائي المؤقت في الدماغ.
بينما الأمراض النفسية هي اضطرابات في التفكير والمشاعر والسلوك كالاكتئاب والفصام وتؤثر على مزاج الشخص وقدرته على التعامل مع الحياة اليومية. اذا الأمراض العصبية في درب والأمراض النفسية في درب آخر مع التشديد على أن حتى الأمراض النفسية ليست عيباً أو جنونا ولكن قد تتطور الأمراض النفسية التي تنفصل انفصالاً شديداً عن الواقع لتصبح “جنونا” وهو البعيد كل البعد عن الأمراض العصبية.
فاذاً وعلى راي المثل: “يلي فيه بيكفيه” وهذا يعني لا تخلقوا حرباً ثانية مع المريض فمحاربة مرضه تكفيه.
وكالة أنباء العاصفة العربية
