لقاءٌ خاص مع الفنان التشكيلي المغربي السعيد الرغاي

إعداد: سميرة الفرح، مُراسلة الوكالة في المملكة المغربية.

عندما نكتب عن الفن بمختلف شرائحه فإننا نكتب عن الحياة بأكملها ومايتقوقع فيها من سرايا خفية تنبثق على كل ماهو حساس ومرهف، على كل ماهو حزين وفرح، على كل الأشياء التي يحتضنها قلبنا الصغير، ليخبئ بين زواياه أشياء تجعلنا ننسري لعالم آخر ونحكي قصصاً أخرى خيالية، أو واقعية على حسب مادون الزمن من رؤى خفية فينا، واليوم نتكلم عن الفنان التشكيلي المغربي السعيد الرغاي الذي لطالما عشق الفن وخطى بخطواته وكان إحساسه المرهف يبرز بكل لوحة، فعشقه للمغرب جعله يتمسك بموهبته ليبرز التراث المغربي عبر لوحاته فكانت لي وقفة معه :

الطفولة مرحلة مهمة في حياة كل مبدع في شتى مجالات الإبداع، ومحطة أولية للإدراك واكتساب المهارات، وخطوة أولى لتحديد المسار المستقبلي بعفوية طفولية، أولى خطوات الفنان التشكيلي المغربي السعيد الرغاي في عالم الرسم بدأت في المرحلة الإبتدائية من دراستهِ، حيث كان يُقلد الرسومات الموجودة في الكتب المدرسية، كما استفدَ من عدة ورشات في الرسم والخط العربي والزخرفة والمعامل اليدوية ضمن الأنشطة التربوية التي كانَ يقوم بها في الكشفية، وكذلك في المخيمات الموسمية والصيفية، كل هذه العوامل ساهمت في تطوير قدراتهِ ومهاراتهِ ومواهبهِ في المجال الفني فيما بعد…

لكل فنان مسارهُ الفني الخاص به، وتتخللهُ محطات من الإخفاقات والنجاحات وعوامل وظروف تتحكم في مسيرته الفنية، كل هذه المعطيات تحدد المسار وتنمي الوعي الفني للفنان. وبالنسبة للفنان التشكيلي المغربي السعيد الرغاي فقدّ مرَّ بعدة مراحل للوصول إلى جزء من أحلامهِ الفنية.

1167736_10200597489488061_1637756996_n

فالمرحلة الأولى بالنسبة لكل فنان هي مرحلة الهواية، فهمه محطة مهمة في تكوين الوعي الفني للفنان من خلال تعلم تقنيات الرسم وقواعده وملامسة الألوان والأدوات والتنقل بين المدارس الفنية التشكيلية المتنوعة، مما يساعده على تحصيل رصيد مهم من المعلومات والتقنيات تعينه على الرفع من مستواه الفني التشكيلي.

أمَّا المرحلة الثانية يحديد الفنان التشكيلي الأهداف الفنية المستقبلية، واختيار المدرسة الفنية التي يميل إليها ويحس أنه سيعطي فيها أحسن ما عنده ، بالنسبة لسعيد الرغاي فاخترَ المدرسة الحروفية، لميله وحبه للفن الإسلامي من خط عربي وزخرفة، وقناعاتهِ بغنى تراثنا العربي، واعتزازي بهويتنا، وكذلك مدى تفاعل وتناسق الحرف العربي، إذا وظِفَ في فضاء اللوحة التشكيلية، وهذا دليلٌ قاطع على أن الحرف العربي متجدد ومواكب للتقدم السريع الذي تعرفه البشرية في هذا المجال، وتكفيهِ شهادة الفنان العالمي
“بيكاسو” في حق هذا الفن الجميل ، حيث قال:” إن أقصى نقطة وصلتُ إليها في فن التصوير وجدت الخط الإسلامي قد سبقني إليها منذ أمد بعيد”.

ولا ننسى أقطاب هذه المدرسة التي ارتقت بهذا الفن، داخل العالم العربي وخارجه، كأمثال : الفنان الزندوري من إيران، والفنان وجيله نحلة والفنان يسار صفي الدين من لبنان، والفنان ضياء العزاوي من العراق، و الفنان محمد مغنوم من سوريا، والفنان نجا المهداوي من تونس، والفنان رشيد القرشي من الجزائر، والفنان عبد الله الحريري والفنان مهدي قطبي من المغرب.

والمرحلة الثالثة وهي حصاد المرحلتين السباقتين، بمعنى آخر مرحلة الإحتراف الفني، ومحطة مهمة لإثبات الذات، ويتخللها تنظيم معارض فردية وجماعية ومشاركة في أنشطة فنية، مما يتيح للفنان التواصل المباشر مع الجمهور والنقاد والصحفيين والمهتمين بالمجال الفني، وهي مرحلة النضج بالنسبة للفنان، وتفاعله مع العالم الخارجي بإيجابياته وسلبياته بعيداً عن المرسم وهدوئه والريشة والألوان، وهذه المرحلة تحتم على الفنان أن يكون مجدداً في عمله وفي بحث دائم وعمل متواصل لتطوير أسلوبه الفني ولإبراز لمسته الشخصية على أعماله، ولأنه أصبح لديه جمهور متذوق ينتظرون منه الجديد من أعماله.

كل هذه المراحل والمحطات تقوي وتنمي وتعزز الوعي الفني للفنان ومدى إحساسه بجسامة المسؤولية الملقاة على عاتقه، ويجب على الفنان التشكيلي أن يمتلك المهارات والتقنيات لتأسيس فضاء لوحته من ريشة متميزة وألوان متناسقة ومتناغمة، وحسن اختيار موضوع العمل، وتوظيفه الجيد لتقنيات الرسم ( الشكل – اللون- الضوء- الظل – البـُعـد…) في اللوحة التشكيلية، هذا بصفة عامة، أما بالنسبة الفنان التشكيلي المغربي السعيد الرغاي وبحكم التيار الفني الذي أشتغل عليه، فإن العناصر الأساسية المكونة لأعماله هي الخط العربي الزخرفة بنوعتها النباتي والهندسي ، ونماذج من السيراميك الأندلسي، وتناسق الألوان، حيث تجتمع كل هذه المكونات في تركيبة متناسقة ومتقنة غنية بالرمزية الموجودة في ثقافتنا وتراثنا الإسلامي العربي في قالب حديث وأسلوب متجدد مواكب للنهضة التشكيلية في العالم العربي.

1167929_10200597491008099_2109415991_n

إذا كانت اللوحة التشكيلية مكونة من عناصر جمالية متميزة ومعطرة بنسائم الجمال، ومثقلة بغنى ثقافتنا ومرتبطة بهويتنا وتراثنا، فإنها حتماً ستصل إلى شغاف قلب المتذوق وتطرق باب أحاسيسه وتسبح به في عالم سحري مليء بالتفاعلات البصرية والنفسية، وبالنسبة للوحات الفنان التشكيلي المغربي السعيد الرغاي التشكيلية وعلاقتها بالمتلقي، فهي علاقة تواصلية مستمرة وحميمية، وذلك راجع إلى التركيبة المتنوعة الموجودة في جل أعماله، بحيث تسبح بالمشاهد في عوالم متعددة في نفس اللحظة، فلوحاتهِ مزيج متنوع وغني بالمركبات التالية:

نص اللوحة: ويتكون غالباً من أبيات شعرية أو زجلية أو أمثال وحكم…، أرضية اللوحة: ودائماً تجريدية وكذلك أشكال هندسة ونماذج من السيراميك الأندلسي…، كل هذا محاطاً بجمال الخط العربي. مما يعطي إحساس للمتلقي المتذوق أن العمل جزء منه، يجسد هويته وغنى ثقافته الإسلامية العربية بتجلياتها الإبداعية، وبنفس جديد معطر بنسائم الجمال المتأصل، سابحاً بنا في دروب الأمس الجميل ومعاصراً للحاضر، بحكم أن جُل أعمالهِ الفنية المركبة (تيكنيك ميكست) فهذا يفرض عليه الإشتغال على مواد وأدوات للوحات متنوعة، بالنسبة للمواد فهناك المداد، والصباغة المائية، والصباغة الزيتية، وبعض المواد الطبيعية. أما الأدوات فهناك فرشات للرسم متنوعة الأحجام، وكذلك الأقلام الخاصة بالخط العربي ، وأدوات أخرى حسب العمل…، أما بالنسبة لأرضية اللوحة، فهي إما من الورق أو الخشب وأغلب أعمالهِ فعلى القماش.

إن العمل في المجال الفني من أصعب المهن في عصرنا الحالي، لما يواجه الفنان من تحديات وعواصف وعراقيل في مسيرته الفنية، فهناك من ينسحب من الجولة الأولى في مسيرته لما يجده في الواقع الصادم، وهناك من يتحد كل هذه العواصف والعراقيل بالإيمان والصبر والثقة في إبداعاته وبالعمل الدءوب المتواصل والبحث الدائم، وقناعته بأنه يؤدي رسالة نبيلة لخدمة الثقافة في بلاده، كل هذه المواصفات تجعل منك فنان محترف في إبداعاته ومميز في أخلاقه، وحداً فاصلاً بين الهواية والإحتراف… و على أمل اللقاء بكم أقول: ” الفنُ درب من دروب الجنون… يُـنزل دمع الحزن والفرح من العيون… وأنغامه مطربة ذات شجون… ومتذوقوه في بحره منغمسون، وأهله في تعب مهما مرت عليهم السنون”.

ليختم حبر قلمي عند كلمة الفنان السعيد الرغاي لتتبعثر جل كلماتي لأن الفن بصفة عامة لازل متلعثم السواد لنتمنى أن تفتح مزيد من الفرص لنبرز هذا الفن العريق لأنه يتكلم عن حضارة كل دولة عربية ولأنه يتكلم عن شريحة من المجتمع العربي، كذلك من هذهِ اللوحات التي تبعث سحر الفن المغربي من يدي السعيد الرغاي مني لكم السلام .

 

شاهد أيضاً

الكشاف المسلم والمركز الإسلامي وإتحاد أهالي عائشة بكار… دعوة لحضور حفل المولد النبوي الشريف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *