ذعر الأوراق المكدسة

بقلم: الصحافية وفاء بهاني.

ما نفع كل تلك الأوراق على مائدة الكاتب الكبير؟
من يكترث للمكتب البني، وكأس الأقلام منتهية الصلاحية، والاوراق الباهتة؟!
من يكترث للأوجاع والإدعاءات والخيبات المتلاحقة، في آخر قطرتين من كأس النبيذ؟!
وَهْمُ المجد… والقلادات التي نالها دون أن يدرك خلجاته أحد… الصور المعلقة على الحائط…
نفاق السياسيين الممسوسين بشغف الظهور… وخجل القراء الذين يتلقفون الهوس ولو من طنين ذبابة!
ركوة القهوة التي تنظر لوجهه بحنو كل صباح… بلاط شقته الذي احتفظ بخلوته لأكثر من عشرين عاماً ويزيد.

شباك صالته المختبئ خلف ستارة سوداء، مقاوماً عبور الدخلاء لذٰلك الوكر.
قلم الروج الوردي الذي تركته معجبة لم تفلح بإغوائه في محاولة مستهترة لإشعال ذكورته النائمة…
ملعقتان من الالومنيوم، وثالثة من الخشب، لكلٍ استخدامها المخصص… وصحنان من الملامين يكفيان لاحتواء القليل مما يسد حاجة الرمق، وأخيراً الكثير من التبغ وأعقاب السجائر.

“هم لا يرون مني سوى اسمي العريض… وسترتي الرمادية التي تحتفي بي كلما دعيتُ لأمسية أدبية مدفوعة الأجر…
وهم لا يسمعون مني غير إلقائي المختنق بالدلالات… ولا يتذكرون من وجهي سوى نظراتي المواربة بين ضبابهم والورق… ومهاتراتي الباكية التي أحمِّلُها للنكات القصيرة، حتى لا يدرك مني أحد ما لا أود البوح به.

ثم أعود لشقتي المتواضعة بعد عشاء سخيٍّ… ومجاملات فاضحة، وحزن يتكاثر في الخلايا رغبة بالصراخ.
لا تصدق مني ما ترى ولا تصدق عني ما تسمع… ولا تعلق طموحك على نيل القرب من بائس يبيع الكلام.

نحن أكذوبةٌ أنيقةٌ وعنوانٌ مفرغٌ من الجغرافيا… ونحن عرافو المرحلة، ومشعوذو التاريخ… نقلب احداثه وفق رؤانا و فوهة البندقية.
ونحن أشد من يمارس الاختباء داخل الاختباء… فلا طاقة لنا للضوء الصريح… ولا نملك من الجرأة ما ندفع به أعمارنا ثمنا لقول الحقيقة.”

مكتبي يعج بالأوراق التي أخذت على عاتقها حمل الكلمات ذات العين الواحدة… عين تبصر القلوب وتملك اليقين وتجيد الصياغة الحَذِرَة…
خمسون مجلداً… وعشرات الصور التذكارية الحاضرة… والكثير من اللقاءات المتلفزة. كلها لم تَفشِ لأحدكم سراً عن معتقلات الفكر الرهين… والترقب المضلل بالخوف من القامات السوداء.
لم تخبركم شيئاً عن توسلات الروح للعودة حيث الطفولة ساذجة… ولا لجوء… لم تتوسل أحدكم تذكاراً من الأرض المفجوعة، أو وجهاً حقيقياً لقصيدة لا تخاف.

أنتم لا تعرفون كيف يزورنا الليل بلا رغبات… وكيف ننتظر الصبح كي ننام… ثم كيف نهندم الفكرة ونغلف الكلام… ونصعد أمامكم مجبرين على التحايا والتملق والود المرتبك… أنتم لا تعلمون شيئاً عن محاولاتنا المجحفة بحقنا بالصمت أو الإعتراف… لأن الصور اللامعة تخشى الخدش، ولأن المرتابون يتعثرون بسوء الظن.

ثم كيف يراوغ خلوتنا الموت على شكل النهاية… وسؤال مُلِحٌّ؛ كيف تنتهي حياة أرباب اللغة؟!
هؤلاء الوحيدون جداً… المنفيون في لجة السر… كيف يرحل مَن عاش طويلاً يزركش الحزن بالمفردات… ويعلق الأمل في طوابير الكناية… كيف ينساقوا لحتفهم من صلبوا الوقت طويلاً في ردهة الإنتظار لنيل أبسط الأشياء… حب ما ربما… توتر للقاء… أو حتى فرحة الحصول على وجبة مفضلة.

نجلس والبابُ مواربٌ لأي عابرٍ يدركنا بنومتنا الأخيرة… تخفض الموسيقى وقعها المدوِّي… وتنحسرعنا الخيارات الملونة… فنذهب بهدوء الواثق، لنخرج من ضيق الحياة لرحابة الأرض التي تجيد الإصغاء .
نحن المهزومون والمناضلون الأوائل… وعرابو اللجوء واليتامى والأرامل… نحن المنفيون، وحالات الشعور المتمم للكينونة الكبرى… ونحن وهم الواهمين… وضجيج الرافضين وغناء الأعياد المنحازة للدم.
نحن رايات المحاربين القدامى… ووساوس ثائري المرحلة…
نحن الصوت الذي ينسكب في المسامع فيستحيل شعاراً في الحناجر… ونحن أكذب من حدّث… وأصدق أصدق من كذب.

شاهد أيضاً

حرب على جبهتين

تحرير: ماغي الحاصباني. هل سمعت يوماً بحرب بلا طرفي نزاع يتبادلان اطلاق النار؟، حرب قد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *