بقلم: الصحافية وفاء بهاني.
اليوم اتصلت بأمي مكالمة فيديو في زمن وباء كورونا الذي نعيشه فردت لينكب النبض في تقبيل عينيها العابقتين بالدموع الموجعة، بهجة سرت فيّ كلي في الثواني الأولى، هطلت على شجيرات صدري العطشى كالغيث، تبادلنا العناق تحت كل ظلٍ من ظلال كلماتها الدافئة، أغرقتني بالقبل بنظراتها المتفحصة لوجهي “ماذا بكِ بنيتي”، “صغيرتك أنا ياغزالتي مهما بلغ مني العمر ما بلغ”، ولوهلة تخيلت أبي قادم يطل كالبدر من بعيدٍ ينحدر مثقلاً بالشوق، بمنكبيه التعبتين حاملاً كل شقاء عمره عليها، بشقوق الهم والحزن على وجهه الذي خلته بلا ملامح إلا منها، اقترب بابتسامته الرزينة الوقورة.
مسكين أبي لا يعلم أن ابنته تعلمتها وأتقنتها وورثتها عنك يا أبي، حسبته للحظة أنّه سيخترق كل المسافات الفاصلة بيننا من تلك الشاشة البغيضة، سيلج إلى عالمي المكلوم ويمشي بين حشائشه الميتة التي تذروها رياح الضعف والتيه، سيمد يديّه ليجمع أشلائي المبعثرة وينفخ فيها الروح؛ لأجهش بالبكاء بين ذراعي وطني الثاني، أن ألقي كل تعب سنيني على تعب سنينه؛ فأبي جبل شامخ أشم، عهدته منذ صغري ينحت الصخر بيديه الخشنتين ومع كل صخرة كان يؤكل جزء منه؛ ليطعمنا اللقمة الحلال المجبولة بعرق جبينه الوضاء، حتى غداً قبس نور بلا جسد، كأنه الثرى والثريا، ينير ظلام ليالينا الحالكة، “كيف حالك يا بنيتي؟”، الحمد لله بخير حال”، “كوني ابنة واخت الرجال تقتات على الصبر؛ فإن الله مع الصابرين”.
ثم خانتني الضحكة وشقت الدمعة طريقها واخترقت شاشة الهاتف، لتجوب وديان خديه القاحلة، استدار وغاب عني كأن شمس الحياة هوت فهوى معها قلبي… كم هية عاتية تلك الدمعة التي عصفت بي وايقظتني من حلم تمنيته حقيقة لفظتها فلُفظت معها روحي، واجتاح الحنين كل ذرة مني، كأنه غائب ثلاثون جيل لا تلاثين عام…
أتعبني الاحتفاظ بتلك المشاهد الحديثة في تلافيف ذاكرتي، خطتها على الورق؛ علّ أجيج النار يُخمد في كبدي، لكنه زاد اتقاداً وطغياناً، وذاب قلمي بين يدي حزنا وابتئاسا.
الله أكبر الله أكبر ولله الحمد…
عيدكم مبارك
وكالة أنباء العاصفة العربية
