إستهتار

بقلم: الصحافية وفاء بهاني.

لم أعد أرى مني سوى نصف كأسي الفارغ… وتحديداً نصفه العلوي. لقد تركت ما في القاع… للقاع. وحده يتسع لذاك الازدحام الذي أرّقني طيلة تسعة وثلاثين عاماً.

وربما كان وحده، مَن يكترث لذاك التعدد الذي أجبرني على فتح نوافذي للشتاء، وإسدال ستائري للصيف، وإراقة عطري للربيع… ورسم نشيجي على هوس السقوط كهواية خرقاء بيد الخريف.

أنا… لا أملك هوية ولا رقماً في سجلات الدولة المعلقة على لائحة الدول المُعَدّةِ للبدء.
ولم يرق لي يوماً ان أخزّن وثائقي في حقيبة جلدية سوداء في رفوفي العلوية.
لم أعترف أنّني هنا لأنّني أريد، ولم يوقع أحد المارين تحت اسمي، باسمه… ممتناً لي أو معترفاً بأني امرأة أو منحوتة كارثية المزاج.

لذا ارتأيت أن أكون هنا وفق التقدير الإلهي فقط. لا فضلاً للإختيار، لم تبسِط لي الإرادة سرجها لأمتطيها… ولا أشعلت رغباتي أعواد ثقابها لأستنير.
– أنا هنا حيث يريدني الجميع… إلاي!
وحيث لا أعترف بانتكاسات الجموح
أو سهوة خطاي..

أنا هنا حيث يتكاثر الزيتون وتتسابق الديمغرافيا في صراع أزلي لا ناقة لي فيه ولا بعير!
لكنّني أنضج كما ينضج العمر مقترباً من نهايته… واضعاً خطاً أفقياً لرؤاي…

أرتب قوانيني كلّما احتجت للبكاء…
وأهندس وقع حنجرتي كلّما اسندت رأسي للزفير!
ولأنني قلقة…
اتقن كل الأشياء؛ أصلاح الراديو، وترميم جدارنا الخلفي والصفير…
لقد رسبت تجاربي في أسفل الكأس، وطفت معاركها المريرة للفراغ…

تمطى القاع المزدحم… زمجر… وبدأت أملي عليه نصيحة الكهل لابنه الطائش؛ بأن لا بد من “فلترة” الجموع، كي لا يصاب بالتخمة، وينقلب الكأس، ويثور فراغي المقدس على الضجيج.

لا طاقة لي اليوم لإصلاح أي شيء.
ولا قدرة لديَّ على لملمة الشظايا والتربيت على الشروخ.
لقد رهنت أصابعي لحمل كأسي وأرجحة ما فيها وخلخلة القاع المغتر بالأكاذيب. ولا أريد أن تفقأ عيني بينما أحاول التمييز بين نشوة الصوت وانعكاس الصورة.

عيني المنحازة للمساحات الضيقة تداعب ليلها ثم تعرض عنه حيثما أرادت دون أن يشتكي.
حرة أنا اليوم… لا قلق ولا فزع ولا إصغاء يقصيه الإرغام، وتزين له الإضطرابات حقائقاً ليست هنا.
لا أصوات في انطفاءة الإنتظار، ولا صور شخصية في الذاكرة.
وحده الألم يظل حاضراً… يحرس وعيي من الإنخراط في قاع لا يشبه معنايَ المُضَلّل.

شاهد أيضاً

حرب على جبهتين

تحرير: ماغي الحاصباني. هل سمعت يوماً بحرب بلا طرفي نزاع يتبادلان اطلاق النار؟، حرب قد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *