بقلم الصحافية وفاء بهاني، مديرة قسم الأخبار في الوكالة.
كادت تسقط شعرها في الريح وهي تسير نحو حبل الغسيل، وعيناها تداعبان ذلك العالق بين عناوين الجرائد وهوس الشعور…أمسكت وشاحها ولفته بقوة حول تلك الخصل المتمادية بالهرب، ثم استدارت بنصف التفاتة وقالت: “شو في جديد؟!”
رفع إليها رأسه متماشياً مع فضولها: “لا جديد… لبلاد على حطت إيدك!”
إنه ذات السيناريو الذي كنا نراه في الأفلام المصرية القديمة… الرجل الذي أعيته الأحلام المركونة في زاوية القلب، وأخيلة النساء اللاتي جمعن انتظاره، وعلقن القرابين على التفاصيل الحميمة… وهي المرأة التي تصغره بعشر سنوات، والتي ظنت أنها فازت على قريناتها بسباق الأرنب البري والسلحفاة المدجنة.
وأنها اختصرت سنوات عجاف برجل أمن لها قلباً أصفراً، وبيتاً يحنو على تفاصيلهما، وطفلين يحملان الكنية وشغف الظهور… زواج أشبه بشاشة عرض تمنح متابعيها منطقية الحكم وأريحية الشعور.
علقت فستان طفلتها البكر وبادرته بسؤال آخر: “ملاحظ إنه ملقط الغسيل يبدو أكبر من فستان تالا؟
ــ “بلى، لكنني أنظر بقلق لأيام أخشى أن تكون أكثر إيلاماً لقلبها مما يفعله مقلط الغسيل بطرف فستانها الآن”!
ـ “دعك من التشاؤم، فلن نرى من الأيام إلا حصتنا من القدر يا حبيبي”، أرجع رأسه للوراء قليلاً وحدق بعيداً… بعيداً جداً… نحو الجنوب.. حيث الخيول الجامحة، والشموس التي تغسل أصداغ النساء بالذهب… وكؤوس العنب التي تقتل بدل أن تسكر… عصفت به الريح… أدارت دفته نحو الصوت الجريء، والقوام النشط… والعيون العميقة كبئرين من النبيذ…
ثم أطرق بذاكرته للجنون، ماذا لو أنني أرى ما لايرى، فأغمض عيني لأراها بالوقت الذي ينتابني شعور الهرب إليها، لعلها تدخن سيجارتها الآن، وتتمتم تعاويذها في أذن اللغة فتصنع نصاً، تهرع به إلي عند اكتماله كامرأة أنهت خط الكحل في عينيها لترى انعكاسه في قلبي… أو ربما أنها تفكر في تفتيت وجهي كلما خرجت لها كالدخان من عيون الأمس… أو لعلها تردمِ اسمي وتبني لي كل يوم قبراً يأوينا معاً… لا أدري… لكنني على يقين أن ثمة وجع يسند رأسه على حجرها كلما خطرت لها.
أيعقل أن تكتف امرأة بظل رجل، بينما يشتهي الرجل جميع النساء؟؟!، أكملت زوجه حبل الغسيل وهي تبتسم لكل قطعة تعلقها… وأقبلت تمسك وجهه بكلتا يديها، فهي لا تزال تراه عالماً يغط في الغموض… ولا يزال يقلب أيامها بأصابعه… ويخشى على ثوب ابنته من عضة الملقط!
وكالة أنباء العاصفة العربية
