بقلم: الصحفية وفاء بهاني، مديرة الصفحة الوطنية في الوكالة.
كانت أمي تخبئ أوراقي كمن يتستر على جرم شنيع… وتخشى علي من أن يقرأ أي من أفراد قبيلتنا شيئاً مما أكتب… لقد كانت مصرة على فكرة الالتزام داخل خطوطنا الحمراء من باب السلامة… وأن التخطي على تلك الحدود جريمة قد تكلفنا حبسا انفرادياً لا تحمد عقباه.
– لم لا تفكرين بشيء آخر يصرفك عن تلك الخربشات المضللة؟!
– شيء مثل ماذا؟!
– لم لا تقرئين كتابا ما… ثمة كتب علمية وقصص هادفة قد تعود عليك بأكثر مما تستنزفه منك تلك النصوص المبهمة يا ابنتي…!
لم تعي أمي حينها خطورة الطريق الذي أخذت بيدي إليه دون قصد… ولم تكن تلك الكتب المتظاهرة بالصمت، بأقل احتجاجاً على ثقافة التكميم من باب الحرص… والتعتيم من باب الحفاظ على السير ضمن خط مستقيم.
فبدأت بلافتات لأحمد مطر… لقد كان الرجل يعلمني كيف تقال اللاآت داخل حظائر الممنوع… وكيف تحشد الجموع… وكيف تنام الأوطان عارية على زند المؤامرات الكبرى… وكيف تشحذ الهمم من أجل الموت الرخيص فداءً لعروش الريش…
ثم انتقلت لأدب السجون… فكانت مجموعات قصصية قصيرة… يهربها المعتقلون داخل سجون الإحتلال لدور الطباعة والنشر عبر أهليهم… فدخلت الزنازين المنتنة… ونمت على البرش الإسمنتي… لقد راقبت الجرذان وهي تهرب من أرضية العزل الانفرادي للسقف… وشممت رائحة الطعام المختلط ببول السجانين… وتنقلت بين العنابر وصراخ الحناجر والنشيد…
وما إن قررت الإنسحاب من تلك الشروخ التي عششت في الروح، حتى وقعت بدواوين محمود درويش… ولدرويش حكاية تختلف… حالة من خشوع النفس… يحملك بين الذهول والتمترس خلف الفكرة… يجندك في حلف الجليل فتصنع بيدك بندقية في رفة عين… تتحرى الدقة في التدليس الذي يغطي تاريخ جيوشنا العربية المحاربة في حيفا… وتنتابك نوبات الهلع أمام رجل عربي بلا هوية…
لم استطع يا أمي كبح الخيول التي تجري في دمي… لقد طفت على أسلاكنا الشائكة… وتركت نزف يدي معلقاً على البحر الأبيض كي لا أنسى وجه البلاد… ورسمت علمنا المنتشي بالدم عكس خطوط الطول… وانتهكت حرمة الاسماء… ما الذي فعلته أمي بي وقد فتحت أمامي كل ما حاولت جاهدة صرفي عنه… إني لأقسم أن بعض الخطأ معجزة للخلاص… وأن الظن الممسوس بالمعرفة صدق ملفق… وأن الصناديق التي تنحت على مقاس عقولنا باطلة…
شكراً لك أمي… شكرا للغبار الذي يحيي الأفكار المقاتلة
وكالة أنباء العاصفة العربية
