هامش لا ينام

بقلم: الصحافية وفاء بهاني، مديرة الصفحة الوطنية في الوكالة.

لم يكن ليحلم بأكثر من عينين غائمتين، وشعر يسبق بجموحه شهيق الريح، وقلب أرنب… امرأة برائحة الخنوع، تجوب زوايا البيت مختالة كأنثى المطر… تصنع القهوة راغبة بالرضى، وترتب الأثاث بشغفٍ مسيطرٍ على مربعه الأمني.

امرأة بلا حروب… ودماغ بلا قضية… روح بلا ندوب… امرأة لا تشتعل غضباً، ولا تتأهب لأي احتمال، ولا تمشط شعر الحزن كلما شب في جفنيها كي تقطفه.

لقد استطاع أن يفرض هيمنته على الجدران، والمشاعر العازلة للصوت، حتى تنامى أمامها رجلاً يتمطى في أرجاء خيالها، كلَّما أدرك أنها عطره الأصيل وزنده القوية، ووسادته التي لن تخون.

ومع كل هذا؛ لم يرق لذلك المتبجح أن يخبئ أوطانه المدججة بالتعب في صوتها… ولم يقتنع للحظة؛ أن امرأة أحادية الحب ربما تكفي لحمل معاركه دون خوف، دون أن تسقط منها شيئاً، وإن كانت امرأة عابرة أو أحجية ما. لقد دجنها على النحو الذي أراد، فكانت مغناجاً ومطواعاً ومقيدة.

وظلت تلك القلقة تكابد حيرتها، وتفتح صندوقها لتراه كلما تسنى لها ذلك، وهي تعلم أنها كالرصاصة التي أحرقت أرضا نذرتها للخرافة.

هرم الوجع الذي تكاثر في النخاع. لم تعد قادرة على عد الصور… ولم تستطع لملمة فتات الأمس… لقد خارت أصابعها بعد أن أمسكت بتلك الحقبة طويلاً… وهاهي تستسلم لمبدأ اليد التي لا تصفق وحدها…

كل ما هنالك أنها لم تعد حيث التمتمات الدافئة تصب في أعصابها كي تفرد أجنحة أنثاها بلا رحمة… ولم يعد ذلك المتناقض قادراً على صنع المفاجآت وقد تشابهت ألوانه كلها… وبداً بارداً رماديا كالأمس…

النبيذ… سلسلة العقيق… قاموس المفردات… وأغنية تدور في المذياع كدأب بوم… ورأسها المليئة به… وهروبه الذي لا حد له… ليلها الطويل الذي لا يستقيم… وبداية قاتمة لسقوطٍ مدو…

تتدافع القصص كتوتر الادرينالين… فتتعرق وتقضم سجائرها حتى تنتفض، زاجرة عنها أطياف البؤس التي تنعق في خرائب روح ينخرها الفراغ والتذكر…

شاهد أيضاً

حرب على جبهتين

تحرير: ماغي الحاصباني. هل سمعت يوماً بحرب بلا طرفي نزاع يتبادلان اطلاق النار؟، حرب قد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *