وفاء بهاني
ثم إني أدرك أيها الموت أنك تقرفص في ذلك الركن المعتم من رأسي، ترمق استيائي وتبجحي… وتلفظ إسرافي في الحزن… وتدهش لقلقي المشاكس. وترسل إلي إيماءاتك الخاطفة كلما هممت بفعل شيء يعجبني أن لا تنسى أني هنا.
لقد سئمت غرائزي كلها، حتى اختلطت علي الأمور… فلا عفة في الحرمان كما تعلم، ولا فضل للجوع على العري! فكلاهما خصمان شديدان يحييان فيك رغبة الافتراس.
ترى أي ميتة تغريك أكثر؟!
وكيف تود إنهاء حياتي البائسة؟!
وأما زلت تؤمن بقدرتي على اغتيال الوقت من أجل فرصة أخرى للوصول؟؟!
اعترف اليوم يا صديقي أنك مغفل متمرس! يخيل إليك أن إنهاءك العد التنازلي الذي خلقت به أعمارنا إنما هو إنهاء لنا، ويغيب عنك كم نحن مستمرون… وكم أنك متعب!
نحن لا ننتهي… بل إننا في ازدياد وحشي. حيواننا المتربص برغباته يقتات على التعطش الدائم… وإنها لجريمة قبيحة بحق احتقانك الشره أن ينتهي بك المطاف أعزلاً في ركن معتم.
دعني يا موت، دعني أجرب السعادة كما ينبغي لفطرتي إن كانت سليمة… وارفع ظلالك عن عيني كي أجرؤ على إبصار الخطايا. كف عن تغليفي بالخوف، واترك صهوتي تعيث فساداً لتتعلم كيف ترجع.
دعني أتبع نزغ الشيطان إذا كان ذلك الطريق يفضي في نهايته ليد الله. أعطني سعة أملأ حجرات قلبي الأربع بذلك الفيضان الفضولي، وأشعر بوخزة الندم التي ستأخذ ناصيتي لعين الضمير. ثم عد إلي إذا ما مللت وارهقني العدم. واملل علي حينها ترانيم الوداع الأخير.
لقد حملتك عمراً بأكمله وأراني أنتظر منك رد الجميل بحملي الى الله طاهراً.
غب ولا تعد… وإلا قتلتك.
سأغني الليلة طويلا… وقد أطلق العنان لغرائزي لا لأعصي الله بل لأكتشفها وأدرك منها وجه الخطايا، فإني أتحسس الطريق إلى الله.
وكالة أنباء العاصفة العربية
