تحرير: محمد ع.درويش.
جورج الزعني الفارس المحارب ترجل عن صهوة الإبداع.جورج الزعني سنينك الطويلة… قهوتك… عطائاتك … وذلك الهاجس المستمر والملتزم بكل قضايا الأمة والإنسانية …لا يعوض.
جورج الزعني ستبقى الساحات تشتكي فقدانك.
جورج الزعني عزائنا الوحيد أن المبدع لا يموت.
جورج الزعني، دأب خلال أكثر من أربعة عقود متتالية على إبراز القيم الجمالية والإنسانية التي يحملها لبنان، بطبيعته ورجالاته وموارده، ببيئته ومحميَّاته، بتراثه وثقافته… منتهجاً طريق الفن بعيداً عن كل اعتبار سياسي، وطريق العلم والمعرفة والبحث الدائم والمستمر. فأقام المعرض تلو المعرض والمهرجان تلو الآخر… بجهده وعطاءاته، بمثابرة دون يأس أو انقطاع، مهما اختلفت ظروف البلد، وعلى نفقته الخاصة دون أي لقاء.
في العام 1978 أسس جمعية المكحول للفنون والحرف، وأقام مهرجان المكحول الأول. وفي ذلك الشارع الضيق كان جورج الزعني يتنقل بين المشاركين بحيوية لافتة. وفي عامي1979 و1980 بات مهرجان المكحول الإسم الثاني لجورج الزعني.
جورج الزعني كان يغرف من ثروة موروثة ويغدقها على معارض الفن، وعلى تشجيع الفنانين الشبان الذين أخذ “محترفه” بأيديهم شوطاً من الزمن.
جورج الزعنّي قدّم تجربة فريدة بدأها في “مطعمه” “سماغلرز إن”عام 1976، وقت ذاك كان الوطن يحترق، آلمه ما يحدث، فقرّر أن يُظهر الصورة المشرقة من لبنان عبر المعارض الفنية والثقافية في منطقة متنوّعة الثقافة والمذاهب، ألا وهي رأس بيروت. كان مهرجان المكحول مهرجاناً بكل ما للكلمة من معنى، يضجّ بالسياسيين والفنانين والمثقّفين، جميعهم يرفضون الحرب.
إلا أن من لم يرد لثقافة الفرح والحياة أن تستمر، قام بتفجير المكان وكان جورج من بين الجرحى. وإذ بجورج الزعني يذهب إلى لندن، وأسس هناك “الرابطة الثقافية اللبنانية”، مطلقًا سلسلة مشاريع واحتفالات ومعارض لبنانية وعربية، منظماً الأمسيات الشعرية، والندوات واللقاءات، كجزء من حضور عربي حضاري في العاصمة البريطانية. ولعلّ أقرب الأعمال إلى قلبه، ما فعله أيام الغربة، حين زرع العام 1993 أرزة في حديقة باترسي بارك في لندن، وسمّى الموقع “جبل لبنان”. وأما الإنجاز الأبرز له والمستمر، هو تأسيسه مهرجان بيت الدين العالمي في العام 1985، كردٍ عنيد على توقف مهرجانات بعلبك حينها.
وحين أطلق الفنان جورج الزعني معرضه الذي أعده خصيصاً لتحية شهداء الجيش اللبناني تحت عنوان:”بدمائهم يرسمون مساحة الوطن”، وحينها لفت الفنان الزعني إلى أن “أسمى الكتابات بعد الكتب السماوية هو شعار الجيش، جيش لبنان، فالشرف والتضحية والوفاء، موضحاً “أن شباب جيش لبنان هم ضحية الإرهاب، والإرهاب ليسن من مفرداتنا، أنه يناقض كل تعاليم الأديان السماوية التي دعت وتدعو إلى التسامح والمحبة”. وأشار إلى أن:”المطلوب اليوم يقظة وطنية شاملة يكون لبنان وحده هو المنتصر، واليقظة تتطلب علماً، والعلم أساس الثروة وأساس القوة”.
وحين إفتتح الفنان اللبناني جورج الزعني معرضه في صالة دار الأوبرا بعنوان:”سماء عربية ونجمتان” تحية إلى إدوارد سعيد ومحمود درويش. ضم المعرض أكثر من خمسين عملاً نحتياً من خشب الزيتون ولوحات تضم تشكيلات حروفية باللغة العربية وصوراً للمحتفى بهما محمود درويش وإداورد سعيد.
وخلال إفتتاح جورج الزعني معرضه هذا قال:”أن المعرض يرسل من دمشق ومن خلال محترفه ثقافة الحياة والأمل إلى العالم من سنابل القمح وقليل من الخبز والملح والرموز التي استحضرها لأنها تجمع بين شعبي لبنان وسوريا الشقيقين إضافة إلى فلسطين التي تشكل أيضاً جزءاً غالياً من بلاد الشام أما فناجين القهوة فكانت رمزاً دائماً للأخوة بين أبناء الشعب العربي عامة”.
وأضاف الزعني:”حينها أن معرضه عبارة عن فكرة ورموز ضمن مساحة كبيرة تخاطب كل الشعوب وتصل إلى قلوب المثقفين والبسطاء وإن الرمزين الكبيرين اللذين اختارهما لمعرضه هما المفكر العربي إدوارد سعيد الذي حمل سلاح القلم لمواجهة الإحتلال ومن يقفون وراءه والشاعر الفلسطيني محمود درويش وكلمته التي شدت أزر المقاومة الفلسطينية وتعدتها إلى المقاومة العربية”.
وأذكر هنا أن الزعني يقوم بتنظيم معارض لمواضيع معينة يريد من خلالها إيصال رأيه للناس مثل معرض عن العائلة اللبنانية في بداية القرن ومعارض عن المقاومة اللبنانية والشعر الفلسطيني ولديه كتاب بعنوان:”العملة اللبنانية قبل الإستقلال”.
وأقام أيضاً الفنان الزعني في دمشق عام 2001 معرضاً بعنوان:”التحرير… نصر لبناني لكل العرب”، ولقي المعرض إهتماماً واسعاً.
وبحلّة فنّية أصدر جورج الزعنّي إلى النور كتاب:”تماثيل لبنان/أسماء لوطن”، عن منشورات الجامعة اللبنانية وبحجم موسوعي، مكرّساً للمشاهير والمجاهدين والشهداء الذين خلّد اللبنانيون ذكراهم بنصب وتماثيل في الساحات والأماكن العامة، على مرّ الأعوام.
وداعاً جورج زعني، ليت لقاءاتنا سوية تعود مرة أخرى، سأشتاق إليك دوماً، لم توفَ حقك بالدنيا، ولكنك الآن في ذمة الحق حيث تستوفى الأجور، رحمك الله وطيب ثراك.
وكالة أنباء العاصفة العربية
