“شخصيات بارزة” مقابلة مع رئيس جمعية تجار شارع مار الياس الأستاذ عدنان فاكهاني “ذكريات ــ إنجازات ــ وتحديات”

تحرير: يوسف أكرم سعيد آغا، مُدير عام الوكالة.

تصوير: عبد آغا، مُدير قسم التصوير في الوكالة.
ضمنَ سلسلة مقابلات شخصيات بارزة أجرت وكالة أنباء العاصفة العربية مقابلة مع رئيس جمعية تجار شارع مار الياس الأستاذ عدنان فاكهاني إسترجع فيها أجمل ذكريات الجمعية وأهم المواقف.

عن تأسيس شارع مار الياس قالَ فاكهاني:”كانت الأسواق في بيروت محصورة فقط في الوسط التجاري”البلد”، خلال الخمسينات والستينات، وفي العام 1975 بدءت الحرب الأهلية اللُبنانية واحترقت الأسواق في وسط بيروت، وتهجر التُجار وأصحاب المحلات وبادرَ كل شخص من هؤلاء لافتتاح محل بديل عن الّذي احُترق إمَّا في مِنطقتهِ أو بالقرب من منزله،ِ وبعضهم في شارع “مار الياس” الّذي هو أحد الشوارع الّتي أفرزتها الحرب، وما تميز بهِ هذا الشارع انَّهُ جمعَ التجار من جميع الطوائف في الوقت الّذي كانت تتعارك فيه الطوائف أنذاك، فكانَ مثالاً للوحدة الوطنية”.

وتابعَ فاكهاني:”وفي العام 1976 خطرت فكرة بإنشاء تجمُع أو كيان لنا، وذَلكَ بعدَ وقوع حادثة ظريفة، ففي أحد الأيام الّتي كانَ فيها بعض بقايا الدولة سُجلَ محضر مُخالفة “ضبط” من قبل وزارة الإقتصاد، بحق أحد التجار المسيحيين في الشارع وكان هذا التاجر هو جاري إيلي مطر، ثُمَّ تحولّ الضبط إلى المحكمة وأرسلت المحكمة مذكرة للمُثول أمامها وللدفع ولم يمثُل مطر ولم يدفع، ثُمَّ أرسلت لهُ مرة ثانية وثالثة ولم يمثُل، ثُمَّ أصدرت بحقهِ المحكمة حكماً بالسجن لمُدة عشرة أيام ودفع غرامة مالية خمسُمئة ليرة لُبنانية وكانت هذهِ الغرامة مبلغ كبير في وقتها، فحدثني مطر عن الموضوع وكنتُ تاجراً صغيراً في الشارع، كما وأخبر جاراً ثانياً اسمهُ صلاح مدور أطالَ الله بعمرهِ، وكانَ سبب في عدم مثولهُ الحواجز والخنادق والأوضاع الأمنية الصعبة على الطرقات، فحثيناهُ على الذهاب واقترحنا عليهِ أن نرافقهُ، وذهبنا إلى المحكمة وطلبنا الإجتماع بالقاضي المُكلف بالأمر وأعطينا أسماءنا للحاجب فلم يُقابلنا القاضي بسبب إنشغالهِ. بعدها بيومين فعلنا نفس الأمر ولم يوافق القاضي على الإجتماع بنا، فانزعجنا من الأمر وتوجهنا إلى جمعية تجار بيروت وكانَ يترأس الجمعية أنذاك الراحل الأستاذ فكتور قصير، ونائبهِ الراحل وفيق النصولي، فاقترح النصولي الذهاب مرة ثالثة بصفتنا وفد من جمعية تجار بيروت، فذهبنا واستقبلنا القاضي بحرارة واستضافنا على فنجان شاي، وقصصنا عليهِ الموضوع فبادرَ إلى حلهِ، فاستبدلَ أيام السجن العشرة بدفع خمسة ليرات لُبنانية مُقابل عن كل يوم، والضبط الّذي كانَ بقيمة الخمسُمئة ليرة أصبح بقيمة مئة ليرة وانتهى الأمر، بدفع مبلغ مئة وخمسونَ ليرة”.

وأردف فاكهاني:”عندَ عودتنا إلى شارع مار الياس جلست أشرب القهوة عندَ مطر واقترحت عليهِ إنشاء جمعية لتجار شارع مار الياس، لتحل مثل هذه المشاكل، ثُمَّ عرضنا الموضوع على مدور ونالت اعجابهُ كما ونالت إعجاب التجار في الشارع عندَما عرضنا الأمرَ عليهم، وفي شهر نيسان 1976 تأسست الجمعية من 20 مُؤسسة، أمَّا اليوم فقدّ بلغَ عددهم 430 مؤسسة تضم جميع الطوائف، وعندَ التأسيس عينا صلاح مدور رئيساً للجمعية، وأيلي مطر نائباً لهُ، وأنا أميناً للسرّ، ورفضت أن أكون رئيساً في وقتها لأنني كنت صغيراً في العُمر وليسَ لدي الخبرة الكافية، وبقيت في أمانة السر من العام 1976 ولغاية العام 1983، وانتخبت نائباً للرئيس في العام 1983 ولغاية العام 1989، ومن هذا التاريخ ولغاية يومنا هَذا انتخبت لأكثر من مرة رئيساً بفضل ثقة ومحبة التجار، والإنتخابات رسمية وشرعية بحضور مندوبين من وزارة الداخلية”.

وعن إنجازات الجمعية قالَ فاكهاني:”خلال الحرب الأهلية والحروب المُتتالية على لُبنان كان لجمعية تجار شارع مار الياس إنجازات على الصعيد الوطني، والإجتماعي، فمثلاً في ظل غياب الدولة كانت تتراكم النفايات وتصبح تلالاً في الشارع من قبل السُكان والتجار، وكانَ مظهرها غير لائق بشارع تجاري ورائحتها كانت تدفع الزبائن للهروب، فاتفق التجار مع أحد أصحاب الشاحنات ومع عاملين على إزالتها يومياً، ونسقنا مع فوج إطفاء بيروت بغسل الشارع كُل يوم أحد ورش مادة الكلس، وكانَ هذا أول عمل إجتماعي لنا، ثُمَّ كرّت السُبحة فأصبحنا ننُظم المهرجانات في السوق للإحتفال بعيد الميلاد ورأس السنة والفطر والأضحى والمناسبات الوطنية وكانت الزينة لا ترمز لدين مُعين، وندعو المواطنين إليها، ولم يكُن هدفنا البيع بلّ لنحول حُزنهم بسبب الحرب إلى فرحة، وكانت مُبادرة جريئة أن نُنظم مهرجانات خلال الحرب. ولم تغب الزينة عن الشارع خلال الحرب حتى خلال الإجتياح الإسرائلي لبيروت واحتلال الجيش الإسرائيلي لمناطق واسعة منها، وقصفهم للشارع في شهر أيلول من أمام السفارة الروسية، واحتراق أكثر من 45 سيارة ولافتات المحال وبعض المؤسسات، فبادرت الجمعية لإعادة إعمار الشارع وإعادة البسمة لهُ، وكانَ هناك بعض المُبادرات الفردية فمنهم مَنْ قامَ بالتنظيف واستبدال أبواب المحلات، وهيئنا الشارع لنستقبل عيد الميلاد المجيد في شهر كانون الأول ولم يكن هُناك كهرباء فقمنا باستأجار مولد كهربائي كبير وزرعنا الفرحة والأمل مكان الركام، وأنسينا الناس نومهم في الملاجئ والقلق والخوف…”.

وتابعَ:”وكانَ للجمعية الفضل بتطوير القوانين الإقتصادية، وكانَ لها دور كبير بمواكبة وزارة الإقتصاد ووزارة المالية، والوزارات المُختصة، وكانَ هناكَ تنسيق وتعاون كبير مع جمعية تجار بيروت لأنها الجمعية الأُم لنا، واتفقنا على الخروج بحلول لجميع القوانين. وبعد إنتهاء الحرب في العام1990، رغبنا بتطوير الشارع، واجتمعنا واستعنا بمهندسين، ووضعنا خرائط للشوارع والأرصفة، وأعمدة الإنارة التي كانت المُخرمة من جراء الرصاص والشظايا، وكانَ مئات الآلاف من خطوط الكهرباء والهاتف تُشكل شبكة كشبكة العنكبوت، وبحثنا عن رعاة كالمصارف والمؤسسات، ووضع إعلان كبير فيهِ شعار المؤسسات المُساهمة، وظلت رحلتنا مستمرة بالبحث من العام 1990 إلى العام 1995، ولم نوفق، إلى أن زارنا دولة الرئيس الشهيد رفيق الحريري رحمهُ الله، وفرح بمُخطط المشروع، وتعهد بإنشائهِ بحلة أجمل مما هي في المُخطط، وزادَ عليها أُمور لم تكُن في الحسبان وهي البُنى التحتية للسوق، وبدأ العمل بالمشروع ونفذهُ دولة الرئيس رحمهُ الله كما وعد وأكثر، وعلمنا بعدَ فترة أنهُ كانَ على حق بشأن البنى التحتية لأنها كانت غير مُتوفرة سوا لبعض البيوت والمحلات، وأصبحت بعدَ المشروع متوفرة للجميع”.

1

وشدد فاكهاني على أنَّ:”جمعية تجار شارع مار الياس لا تُفكر في الأمور التجارية بلّ دوماً تُفكر بالمواطن وبالأمور الوطنية والإجتماعية والثقافية، ورياضية وفكرية وموسيقية ورقص… لنُعيد البسمة للأولاد الّذينَ انحرموا منها بسبب الحرب، فلهَذا نعتبر جميع الأعياد الدينية والوطنية بأنها أعياد وطنية لأنها تجمعنا إسلام ومسيحيين، ولهذا السبب نعتت الصحافة شارع مار الياس:”بأنهُ شارع الوحدة الوطنية”، بسبب إحتفالاتنا وتزيننا، ومع إحترامي لجميع الشوارع لاتجد شارع زين واحتفل بعيد الميلاد كما زين واحتفل بشهر رمضان سوا في شارع مار الياس، ولا يوجد شارع يُزين منذُ 40 عام دونَ انقطاع سوا شارع مار الياس، الآن نجد شوارع تُزين ولكن قبل 10 أو 15 سنة لم نجد سوا نحنُ”.

وعن الشهر الفضيل قال:”وبما أننا على أبواب الشهر الفضيل فنحنُ نعد ليالي رمضان في كل عام وبدأنا بهِا مُنذُ العام 1991، فبعد مرور الليالي العشر الأولى نفتح المحال التجارية لمُنتصف الليل، ونُنشئ زوايا للأمور التُراثية كبائعي الذرة والجلاب… أو للرسم أو لعزف الموسيقى، وأحياناً نُنظم مهرجانات ونُجري سحب قرعة ونختار أحد المُشات في الشارع لسحبها، وأحياناً تكون ملكة جمال لُبنان أحد ضيوف المهرجان فتسحبها وتُعلن اسم الرابح، وكنا في أيام رخص الذهب نُقدم كل يوم أونصة ذهبية، وبعدها قدمنا ثلاث جوائز عبارة عن ثلاث ليرات ذهبية تُمنح كل واحدة لفائز يومياً، وفي أحد المهرجانات كانت الجائزة عشرة آلاف دولار تقدمة من بنك البحر المتوسط، ومحلات المجوهرات كانوا يُقدمونَ أيضاً، ولكن كانت الأوضاع التجارية مُناسبة، أمّا الآن وللأسف نجد صعوبة كبيرة في تنفيذ أي نشاط بسبب الأوضاع الإقتصادية الصعبة، فمن أربع سنوات نُعاني من عدم وجود السُياح والمصطافين العرب، أو المُغتربين اللُبنانيين بسبب الأوضاع السلبية، وطلب الدول من رعاياها بعدم التوجه إلى لُبنان، واقتصاد لُبنان قائم على دعم هؤلاء للسياحة”.

وأردف فاكهاني:”وبرغم هذهِ المأسات نشعر كأننا طائر الفنيق الّذي ينفض الغبار عن نفسه من آنٍ لآخر ويُحلق عالياً، وبناءً عليه سنُنظم مهرجان في 14 حزيران لنستقبل فيهِ شهر الرحمة شهر رمضان المُبارك، لنوجه رسالة مفادها:”بالرغم من الركود الإقتصادي والأوضاع الأمنية شبه المستقرة سننزع الفرحة من الّذي يسعى لسرقتها وسنرسم الإبتسامة والأمل بلُبنان، والتفاؤل والمُستقبل، ولخروج التجار من الكآبة التي حلت عليهم بسسب ما يجري من حولنا، وإعطائهم معنويات كبيرة”، ونحنُ نرى الصورة بالأبيض والأسود، فأطلقنا إسم “لونها” على المهرجان، لنُضيف على الصورة الألوان الزاهية لتُعبر عن فرحة المواطنين وتصميمهم على الإرادة في الحياة، وساهم معنا في المهرجان بلدية بيروت ووزارة السياحة وعدد من المصارف بسبب عدم مقدرة التجار على الإنفاق لتنظيم المهرجان وسيُختتم المهرجان بنشاط موسيقى مع العديد من الفنانين”.

وعلى الصعيد الوطني قالَ فاكهاني:”بعدَ إنتهاء الحرب في العام 1992 أحببنا أن يكون لنا إطلالة وطنية فاحتفلنا بعيد الإستقلال اللُبناني وقمنا بعرض عيد الإستقلال في شارع مار الياس قبل العيد بيومين أي في 20 تشرين الثاني 1992، وكانَ العيد مُميزاً وشاركَ فيهِ 13 مدرسة من مُحيط الشارع، وقدّ بلغ عدد التلاميذ قرابة 3500 تلميذ، وكانوا يرتدون قبعات بيضاء عليها الأرزة اللُبنانية ويحملون بأيديهِم العلم اللُبناني بالإضافة لاسماء مدارسهم، وكانوا يمشونَ بالخطوات العسكرية، وشارك أيضاً في العرض كل من موسيقى قوى الأمن الداخلي، وفوج إطفاء بيروت، والصليب الأحمر اللُبناني، والأخيرين قدما عروضاً عن كيفية إنقاذ المواطنين، وحضرهُ أكثر من ألف شخصية رسمية من ووزراء ونواب، ورؤساء جمعيات تجارية، وكانَ هناكَ عشرات ومئات عدسات التصوير بفضل حضور أهالي التلاميذ والمواطنين المُهتمين بهذهِ المُناسبة، وكانت الفرحة تغمر الحاضرين. وبعدَ ذلكَ أقمنا إحتفال بمُناسبة عيد الجيش، وقدمنا دروع تقديرية باسم الجمعية لمُمثل قائد الجيش خلال الحفل، ولقائد قوى الأمن الداخلي، وفي حزيران من كل عام كنا نحتفل بعيد قوى الأمن الداخلي، وفي العام الماضي قام التجار بحضور الإحتفال الّذي نظمتهُ المُدرية العامة لقوى الأمن الداخلي في الثكنة، وبحضور قائد شرطة بيروت العميد ديب الطبيلي وقدمنا لهم درع تقديري”.

وعن التحديات التي توواجه التجار قال:”التجار دوماً تسأل: أينَ شارع مار الياس بعد خمسة أو عشرة سنوات في ظل وجود المراكز التجارية، وحرمان الشارع من المُنافسة الشريفة بعدم وجود مواقف للسيارات؟، فأول ما يوفرهُ المركز التجاري لزبائه هو الموقف، فاستبدلناه بشئ بسيط، ولكن لا يعوض عنهُ، وهو “الباركنغ ميتر”، وأحببنا أن نُجدد شباب شارع مار الياس فأرسلنا طلب لبلدية بيروت، وتجاوب معنا كل من المُحافظ والمجلس البلدي وأعادوا تأهيل الأرصفة وطلاء أعمدة الكهرباء وإعادة تزفيت الطرقات، وانتهينا من الأعمال منذُ أربعة أشهر، وأصبح الشارع بحلة جديدة”.

وعندَ سؤالنا عن المُجسم الموجود في أول شارع مار الياس وعما يرمز فقال فاكهاني:”هذا الشعار صنعتهُ جمعية تجار شارع مار الياس، وكنا نُفضل أن نضع مُجسم من صنع أحد الفنانين اللُبنانيين المشاهير كالنحات بصبوص، وعُرضت علينا العديد من الأفكار، وآخرها هذا الشعارالّذي نال إعجابنا وهو من تصميم الفنان الدكتورعادل عويني، ويُعبر المُجسم عن الحركة التجارية مُشبهة بنيزك والكرة الأرضية في الأعلى أي أنَّ التجارة تشمُل كل الكرة الأرضية، وهي عامل إتصال وتواصل بينَ كل البشر”.

أما شروط إنتساب التجار لجمعية تجار شارع مار الياس:”يجب على التاجر أن يمتلك سجل تجاري لمُؤسستهِ، وأن يكون لديهِ سجل عدلي نظيف، وأن يلتزم بتسديد الإشتراكات الرمزية الشهرية المتوجبة عليه”.

وختاماً شكرَ الأستاذ عدنان فاكهاني وكالة أنباء العاصفة العربية على المُقابلة، وقال:” أعتبر أنَّ الصحافة هي ضمير لُبنان، وكانَ يقول دولة الرئيس الشهيد رفيق الحريري رحمهُ الله:”أنَّ أهم ثروة يملكها لبنان هي حرية الصحافة، وحُرية الإقتصاد من إقتصاد حرّ وسرية مصرفية”، والحمد لله صحافة لُبنان باختلاف أنواعها هي صحافة حُرة ونفتخر بها، والقائد الراحل جمال عبد الناصر كانَ يقول:”عندَ استيقظي صباحاً أقرأ الصحافة اللُبنانية لأنها صحافة حرة وصريحة” أي ليسَت كبعض الصحافة في بعض البُلدان موجهة ومضغوط على أمرها ومقموعة”.

وإننا في وكالة أنباء العاصفة العربية نشكر رئيس جمعية تجار شارع مار الياس الأستاذ عدنان فاكهاني على هذهِ المُقابلة المُمتعة والمُشوقة الّتي زودتنا بكمٍّ هائل من المعلومات حولَ الجمعية، وعلى إعطائهِ لنا بعضاً من وقتهِ الثمين.

 

 

شاهد أيضاً

أمسية شعرية تُضيء أجواء الوطن

بتعاونٍ بين إتحاد الكتّاب اللبنانيين واللقاء الأدبيّ العامليّ وبيت الشِّعر: أمسية شعرية تُضيء أجواء الوطن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *