بقلم: الصحفية وفاء بهاني، مديرة قسم الأخبار في الوكالة.
كان مقدراً؛ أن تهديني إياك الأيام، وأن تستردك مني وقتما تشاء. لقد كنتِ كاملة بكل شيء، مشبَّعة بالشعور، تحملين إناثك السبعين وتمشين في دمي… تنثرين الدنيا بضحكة واحدة، وترجعينها في قبضتك بنظرة تقول ما لا يصاغ بالكلمات…
ماذا عساني أكتب يا هناء…
لا أعرف كيف تتهيأ اللغة كي تصبح امرأة… ولا أعرف كيف يستطيع الطين أن يغامر بتشكيل وجه للجموح..!.
قد تعجبين للكم المهول من الأوراق المتلفة… لقد عجزت عن خلق جملة واحدة، جملة متقنة؛ تحاكي لحظة تكور الوقت في حضرتك، واستلقائه على كتفي كقط كسول عندما تذهبين…!
لقد شككت يا هناء بأصابعي العشرة وبقلم الحبر وغرفتي الداكنة… وإني لأعترف لك أنني أعيش في مؤامرة مذ عرفتك… فأنا عديم الفائدة، معدم لا استطيع تطويع أدواتي كما أريد…
كل الأمور تنساق حيث تقفين… وتصمت حيث تنفثين دخانك والشرود… وتستكين حيث تعبرين… وتنقضي بما يشبه الجنازة كلما أخذتك الخطوة بعيداً عن هنا…
ماذا أقول يا هناء؟
أتسمعين كيف تستعر الحرب في الخارج؟!
إنهم يتفاوضون على الشتاء… يقهرون البرد بالرصاص… ويجلدون المتعبين بالموت… كأنهم والوقت في مزاد علني… وكأننا بضاعة مزجاة ردت للمقابر إذ لا رغبة للحياة بأشباهنا…!
لقد اعتدت أصوات الإنفجارات… ورغبة الخصوم بشرب الدم المتخثر… لقد اعتدت أن أكون حجراً عبيطاً في رقعة الشطرنج… أحوس بين النظام والمعارضة والروس وإيران والسعودية وإسرائيل… وإني لا أخفيك سراً أنني تجولت رغماً عني بين يدي الجميع… وأنني تطايرت في غضب القنابل… ونمت عارياً تحت مظلة السلطان… واشتعلت حماساً كلما رأيت ممثلاً يهذي باسمنا… وعلا نشيدي لسورية التي لم اسكنها قط…
كيف تحضرين معك كل هؤلاء؟؟!
إني لأقسم أن مرورك يكفي أن أكون إنساناً دون أن أبالي بما ذكرت… وأن شعرك يطعمني الخيال دون أن يجرؤ الجوع على طرق بابي…
ماذا اقول يا هناء؟
لم يكن كافيا يا حبيبتي أن نظل أصدقاء… كان لا بد أن أتوغل عميقاً جداً في الأحجية التي قيدتني… وأن أجمع شتات رأسي محاولاً فك الطلاسم التي تكاتفت كي تحميك مني… لقد تجرأ طيني على لمس تعاريج الرخام… ولأنك نقية جداً لم يحتمل نورك السماوي جرمي…
فلترقد أرواح الحمائم في أطراف شعرك…
إني أتوق لظلالك التي تجعل النهار رطباً، وتحيي سلمنا الموسيقي المقتول، وتسرد النكات، من خوف الشوارع وانكسار التردد فينا والذهول.
وكالة أنباء العاصفة العربية
