تحرير: الصحافية رولا غضية.
في مشهد بيروتي لافت، احتضنت قاعة مسجد محمد الأمين في وسط بيروت، يوم الجمعة 19 كانون الأول 2025، حفل إطلاق وثيقة “بيروت… منارة الرسالة وقانون العدل”، في لقاء اتّسم بالكثافة الفكرية والتنوّع المدني، وبحضور نخبة من الشخصيات القضائية، الدينية، الإدارية، والأكاديمية، إلى جانب وجوه بيروتية فاعلة في الشأن العام.

الحفل جاء بدعوة ومبادرة من المحامي الدكتور عبدالرحمن المبشر، الاختصاصي في الصياغة التشريعية، ومن خلال مركز صياغة للدراسات التشريعية، وشكّل محطة مفصلية في مسار عمل فكري ــ مؤسساتي ممتد منذ أكثر من عشر سنوات، هدفه بلورة رؤية متكاملة للبنان، تنطلق من بيروت بوصفها مدينة رسالة وعدل، لا مجرد عاصمة مُنهكة بالأزمات.

ائتلاف عابر للاصطفافات، صدرت الوثيقة عن ائتلاف مدني وفكري واسع ضمّ مراكز ومنتديات ومبادرات متخصصة، من بينها:
ــ منتدى الصراعات والعلاقات الدولية ــ دَفَع.
ــ مبادرة بلدتي.
ــ الملتقى التعاون الوطني.
ــ التجمع اللبناني للحفاظ على الأسرة.
ــ المجلس الاستشاري الأسري اللبناني.
ــ جمعية إصلاح ذات البين.
ــ مركز التمويل بالنمو للدراسات.
ــ منتدى الاقتصاد ــ أرزاق.
ــ المنتدى التربوي ــ جيل.
ــ مركز سيدار لحقوق الإنسان.
ــ الشبكة اللبنانية للتنمية والسلام.
ــ مركز صياغة للدراسات التشريعية.
وعكس هذا الائتلاف طابعاً واضحاً عابراً للاصطفافات السياسية التقليدية، حيث اجتمعت خلف الوثيقة مقاربات قانونية، اجتماعية، تربوية، اقتصادية، حقوقية وبلدية، في محاولة لإعادة تعريف المصلحة العامة على أسس مؤسساتية ومنهجية واضحة.
حضور رسمي ونخبوي متنوّع، وشهد اللقاء حضوراً لافتاً تمثّل بـ:
رئيس بلدية بيروت المهندس إبراهيم زيدان، السفير الدكتور بسام نعماني، الأمين العام السابق لوزارة الخارجية
القاضية ميسم نويري، المديرة العامة السابقة لوزارة العدل قاضي الشيخ أحمد درويش الكردي، إمام مسجد عبد الرحمن بن عوف المربي التربوي فضيلة الشيخ علي خطاب* رئيس مؤسسة مودة ورحمة التابعة لدار الفتوى هاني بلعة، إضافة إلى شخصيات أكاديمية وحقوقية، وناشطين من المجتمع المدني، ووجوه بيروتية معروفة بدورها الاجتماعي والوطني.
كما حضرت الناشطة البيئية ورئيسة جمعية سيدرز للعناية المهندسة عفت إدريس، ورئيس حملة الأزرق الكبير، في إشارة إلى إدماج البعد البيئي ضمن مفهوم العدالة والحق العام الذي تطرحه الوثيقة.
خطاب خارج الشعارات:
اللافت في الحفل لم يكن فقط حجم الحضور أو تنوّعه، بل طبيعة الخطاب الذي ابتعد عن الشعبوية والمواقف الانفعالية، وركّز على إعادة الاعتبار:
ــ لفكرة العدل كقيمة مؤسسة للدولة.
ــ وللقانون كأداة حماية لا وسيلة تسلّط.
ــ وللقضاء كسلطة أخلاقية قبل أن يكون سلطة إجرائية.
ــ وللدولة كمؤسسة تُبنى من القاعدة المجتمعية لا من التسويات الظرفية.
وفي كلمته، شدّد الدكتور عبدالرحمن المبشر على أن الوثيقة ليست بياناً سياسياً عابراً، بل إطاراً تأسيسياً لمسار عمل طويل النفس، يهدف إلى تحويل الأفكار إلى أدوات، والقيم إلى سياسات عامة قابلة للتطبيق، عبر عمل مؤسساتي متخصص ومتكامل.
محاور متكاملة… دولة تُبنى من الإنسان:
توزّعت الوثيقة على محاور مترابطة، قدّمها ممثلو اللجان المتخصصة في مركز صياغة للدراسات التشريعية والمنتديات الشريكة:
• التشريع ــ نحو دولة العدل:
قدّم الفقرة التشريعية المحامي الدكتور موفق ميرزا، مؤكداً أن التشريع ليس كتابة نصوص، بل صناعة عدل، وأن القانون بلا عدالة قد يتحوّل إلى أداة ظلم، فيما التشريع السليم هو ثمرة دراسات اقتصادية واجتماعية وقانونية عميقة.
• التربية ــ الإنسان والهوية والمستقبل:
شاركت الدكتورة رانية خضر العرب (رئيسة لجنة التربية) والأستاذ حسام فاخوري (منسق المنتدى التربوي ــ جيل)، حيث جرى التأكيد على بناء الإنسان، وتحقيق التوازن بين الهوية والانفتاح، والاستثمار في رأس المال البشري والجاهزية لعصر الذكاء الاصطناعي.
• الاقتصاد ــ من الريوع إلى إنتاج القيمة:
قدّمت الدكتورة مريم شيحا (مركز دراسات التمويل بالنمو) والمحاسب منير سوبرة (منتدى الاقتصاد ــ أرزاق، ورئيس لجنة المال والموازنة)، رؤية اقتصادية بديلة قائمة على الإنتاج، والمعرفة، والمساءلة، والمواطنة الضريبية.
• الأسرة والمجتمع ــ منارة الرسالة:
قدّمت المحامية مها منير فتحة(رئيسة لجنة الأسرة) مقاربة تعتبر الأسرة نواة العدالة الاجتماعية، والمرأة شريكة أساسية في الإصلاح، وروابط العائلات ركيزة للتضامن الأهلي.
• العمل البلدي ــ المدينة وأهلها:
قدّم الحقوقي أحمد قباني (رئيس لجنة البلديات والإدارة المحلية) رؤية تشاركية للعمل البلدي، شدّدت على أن المدينة بلا أهلها خواء، وأن التنمية المحلية جسر ثقة بين المواطن والدولة.
• العلاقات مع المحيط وحقوق الإنسان:
قدّم المحامي راشد فخري (رئيس لجنة الخارجية والمغتربين) والحقوقي سعدالدين شاتيلا (رئيس لجنة حقوق الإنسان) قراءة هادئة للتحولات ، شددت على مركزية القضية الفلسطينية، وعلى ضرورة فهم المحيط الإقليمي لبناء استقرار الداخل اللبناني.
تعاون لا انقسام:
تميّز اللقاء بحضور شخصيات من اتجاهات مختلفة، من بينها منافسون سابقون في الاستحقاق البلدية الأخيرة، ما اعتُبر رسالة بلدية ــ مدنية هادئة، تشير إلى إمكانية التعاون على قاعدة المصلحة العامة، بعيدًا عن الاصطفافات والانقسامات الحادة.
ما بعد الوثيقة:
يُفهم من أجواء الحفل أن إطلاق الوثيقة يشكّل بداية مرحلة جديدة من العمل العام المنظّم، عبر تفعيل لجان وفرق متخصصة، والسعي إلى بناء مؤسسات تعمل للمصلحة العامة، وتقدّم نموذجاً مختلفاً للحضور في الساحة البيروتية، خصوصًا في الأوساط المحافظة، ولكن من خارج القوالب التقليدية.

هكذا، لم يكن حفل إطلاق “بيروت… منارة الرسالة وقانون العدل” مجرّد مناسبة فكرية، بل إعلاناً هادئاً عن ولادة مسار، يسعى إلى إعادة وصل ما انقطع بين بيروت وفكرتها، وبين السياسة ومعناها الأخلاقي، وبين الدولة ومجتمعها.
وكالة أنباء العاصفة العربية
