‎صورة عائلية

كتبت الصحفية وفاء بهاني:

تجمعت العائلة عند المصور من أجل التقاط صورة عائلية، وكعادته كان يجلس الوالدان في المقدمة ويطلب من الأبناء أن يتوزعوا حولهما بما يشبه نصف دائرة، مشكلين بوتقة التراث العائلي المقدس . هو لم يراعِ يوماً فرق الطول أو الأعمار بترتيب الأبناء، فهو يؤمن أن العشوائية التي استطاعت أن تكون عائلة، لن تؤثر على شكلها الخارجي ما دام لا يؤذي العين ولا يخدش الحياء.

‎ـ “استعدوا؛ ابتسموا… واحد… اتنين.. ونص… ثالتي، برافو أخدنا الصورة، بدي تلات أيام لأحمضها وتطلع مع باقي الصور”.

‎انتفضت العائلة من حالة التشنج التي ألقيت على أنفاسها لتحبس في اطار، وعدل كل فرد هيئته مستعداً للخروج من “الأستيديو”، تفرقوا وذهب كل إلى شأنه .
‎- صباح الخير أبو زكي؛ رح تمرق تاخد الصورة اليوم من المصور؟!”
‎ـ “وانتي ليش متصربعة؛ عطول محروقة بصلتك، يعني على أساس كاينة صورة العيلة المالكة، نيلة؛ منتو كلكو نحس واوجوهكو مصرمجة وبتقطع الرزق. اليوم بجبلك التحفة لتكحلي عينك بالنضوات”.

‎مضى مهرولاً لعمله المضني، شاقاً خدر الصبح إلى نصفين، لاعناً هم الأولاد والدَين والمدارس التي باتت وشيكة، وأقساط الجامعات التي تبتلع قوت يومنا بحجة تأمين المستقبل .

ـ “جريدة أبو زكي؟”
‎ـ “يا زلمة عف عني يحرق لبلاد عللي فيها، جبلك كاسة شاي”.

‎وغرق الربان تحت شراع سفينته، ولم يكون منفذاً لدوامة العمل الرتيب تلك، غير حجة احضار تلك الصورة، لعمل التأمين الصحي، وقد نجح بذلك. خرج مسرعاً فرحاً بانجازه، واعتقد أنه ذكي إذ خدع المدير بضرورة الخروج، وكلنا يعلم أن لا تأمين ينجز بأقل من شهرين، إذ أن الحكومات ذات الشأن، التي تسيطر علينا كالجرذان، لن تهتز لمرض أو نفوق مواطن هنا أو هناك. فثمة هموم وقضايا تعتلي النياشين التي تحرس أوهامنا في اشباحهم .

‎ـ “عالعافية وين الصورة؟”
‎ـ “هلا … اتفضل هات 5 ليرات بس … عشانك”.
‎ـ “ينكبك بس البنت رندة مش مبين نص وجهها!.”
‎ـ “إي مش مهم يا زلمة، المهم واقفة ومبين إنه في نفر”.

‎خرج متلككاً في الشارع المزدحم، يلوك انتصاره الأخرق بقطعة حلوى رخيصة. وتوجه لبيته كي يثبت للقمقم أن ديكه أسداً .
‎صرخت أم زكي: “ينكبك وين وجه رندة؟!”
‎ـ “خليها تولي، اي يعني مهي مبين وجهها النحس من لما إجت على هالدنيا وفش بحياتي إشي زابط من غراب هالبين”.
‎ذهبت رندة لغرفتها ولعنة قدومها لتلك العائلة تحاصر رأسها. وتزعزع تشبثها بهم واحداً واحداً. حتى أدركت أن تلك الجذور امتدت بقوة بعروق الجميع إلاها، وانها نبتت من يباس روحها فقط .
‎وظلت رندة حليفة الوقت، تنتمي لشعورها، وتتجذر بانفعالها وتسير خلف حدسها بقوة الواثق. تتخبط وتتعثر وتسقط؛ ثم تنهض فتسمو ثم تظهر، ويبقى شطر وجهها الضائع رأس حربتها ودليل طريقها .والغريب؛ أن القدر اللاهث خلف ساديته، أمعن بخلق الصدف التي تجعل منها مفقودة الملامح في الصور التي تجمعها بالعائلة. صورة تلو الأخرى استطاعت أن تحشد لها وازعا مقنعاً إنها خارج الإطار .

كانت خارج كل شيء، خارج الأحاديث، خارج الأحداث، وخارج غلافهم العائلي قاطبة. تلك الحروب التي فرضت عليها خلقتها مكتملة، رغم أن ظل المصور ظل يلوح لها بشطر وجهها الضائع مذكراً إياها بأنها تحلق خارج الغلاف .

شاهد أيضاً

جامعة AUST كرّمت البروفسور مسعود ضاهر لإهدائه جزءاً أساسياً من مكتبته الخاصة إلى الجامعة

تحريحر: محمد ع.درويش. نظّمت جامعة العلوم والتكنولوجيا الأميركية (AUST)، لمناسبة افتتاح جناح خاص يضم مؤلفات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *