للموت جلال أيها الراحلون

كتبت مديرة الصفحة الوطنية في الوكالة الصحفية وفاء بهاني في الذكرى السنوية التاسعة والعشرون لوفاة والدها:

كانون الثاني
أما كانَ عليكَ أن تتَمهل
أما كان عليكَ أن تتَرجّل
مازال هناك بقايا
لصور وأصوات
لَأحاديث وضحكات
لشجون وأمنيات
للموت جلال أيها الراحلون.

كما له مرارة وألم وشعور بالغ بالفقد،
نحن وحدنا من تمتد به الحياة نبكيكم،
ونذرف الدمع في وداعكم،
ونشيعكم لمثواكم الأخير،
ونحن لا نكاد نصدق أننا لن نراكم بعد اليوم.

لماذا يُثير الموت هذه الرهبة الكبرى؟
ولماذا نبكي الراحلين؟
وقد امتدت بهم مراحل أخرى
لمحطات أخرى انتظاراً لحياة أخرى،
ونحن سائرون إليها شئنا أم أبينا؟
إننا في الحقيقة لا نبكيهم لأنهم رحلوا،
بل نبكي أنفسنا لأنهم تركونا وحدنا.

إن كل الآمنا ودموعنا وفرقنا وقلقنا
لأننا لن نراهم بعد اليوم في دنيانا،
لن يشعروا ببكائنا،
ولن يستعيدوا شيئاً مما مضى،
ولن يكون بمقدورهم أن يصنعوا
شيئاً لأنفسهم أو لنا.

نحن إذن من يجزع
لأنهم رحلوا
ولكن، لم تنطفئ شموعهم في حياتنا،
ولأن رحيلهم إعلان كبير
بأن قطار العمر ماضٍ،
والأيام حبلى والقدر محتوم
وللموت جلال أيها الباقون.

وقد حدثتني نفسي وأنا الخبيرة بها،
مالي أراكِ جزعة؟
ألم تكوني أشد من اليوم تجلداً وصبراً…
مالي أراكِ اليوم ضعفاً
على ضعف حتى تكاد تتهاوى؟

وما برحت تلك النفس تؤنبني،
وكأني خصمها إذا ترقرق الدمع،
وارتج الأمر،
وتلعثمت الكلمات،
وانصرفت عن عالمي
وكأني في ساعة المآل
ولحظة النهايات التي لا ريب فيها.

لقد أثارت فاجعة رحيله
ومفاجأتها غصة في الحلق،
وانحساراً لكلمة تمنيت أن أعيشها للآن.

وإذا اجتمع في المرء
النبل وحب الخير
وكرامة النفس والوقوف
عند الحق فقد ترك الدنيا
وهي أحسن مما وجدها
وفي هذا عزاء لنا وأي عزاء.

لقد رحل عن الدنيا
وهو زائدٌ فيها،
ولم يكن زيادة عليها،
فقد رحل شهيداً.
للموت كرامات ورحمات أيها الباقون

أبي: ستَبقى حيّا فينا
عِشتَ حرّاً ومِتَّ شهيداً

شاهد أيضاً

حرب على جبهتين

تحرير: ماغي الحاصباني. هل سمعت يوماً بحرب بلا طرفي نزاع يتبادلان اطلاق النار؟، حرب قد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *