الحركة الكشفية أي دور في مجابهة الإرهاب

تحرير: القائد والإعلامي زياد علوش.

بعيداً عن السرد التاريخي لنشؤ الحركة الكشفية الإنسانية التي أسسها القائد “بادن باول” عام 1907، فضلاً عن دورها التربوي والعلمي والترفيهي، تبدو الكشافية بدورها المعاصر خصوصاً العربية منها أمام تحديات من نوع آخر. في الوقت الذي يحاول فيه البعض بسيادة العنف والتشدد إنتزاع جبرية التاريخ والمستقبل، بمزيد من الإستقطاب التضليلي الغرائزي للشباب، عبر حركات العنف والتشدد والتركيب الإستخباراتي من أجل التكسب السياسي والسلطوي.

تجد الكشافة نفسها مباشرة وللحفاظ على قدرات الشباب والمجتمع خوفاً من أن تجمع في سلة العنف وضياع الفرص الإنمائية البديلة، أمام تحدي معركة تتطلب دوراً إضافياً، وإن كان أساساً في صلب عملها التربوي من خلال التنشئة الأخلاقية الوطنية والإنسانية. كذلك الكشافة ليست بديلاً عن الأحزاب والحركات والتيارات السياسية، أو الأندية والجمعيات المدنية والأهلية المختلفة، لكنها شريك أساسي في البناء المجتمعي الذي يعزز قيم المواطنة والإنسانية المشتركة.

إلا أن النقص الواضح في الموارد المادية والمعنوية أدى إلى تراجع في وعي هذا الدور بمعنى المنظومتين الأساسية والداخلية بما تقتضي من تعديل وتطوير للمناهج، وفي مهامها على المستويين الرسمي والشعبي وبغياب التقنيات والأدوات المناسبة يتطلب الدور الجديد تعديل أولي في النظرة النمطية عن الكشافة بأنها مجرد حياة لهو ساذجة تعنى بتحقيق رغبات فتيان وفتيات الطبقة المرفهة كحاجة تطال الكماليات بعيداً عن الضروريات الإجتماعية والوطنية والإنسانية.

إلى أنها وبدورها التربوي غير الكلاسيكي الوطني والحضاري والإنساني المستجد الذي فرضته العولمة وثورة الإتصال والمواصلات وزمن “السينوغرافيا”، ما بعد الحداثة، بما تتطلب من بناء فلسفي واضح ومبرمج يخدم القرار الإنمائي البشري الداهم الذي هو في أساسه قرار سياسي كبير تأخذه الدولة العادلة والمنتجة للمعرفة أولاً.

يمكن القول أن الدور الكشفي بمفهومه المعاصر تخطى دور الكومبارس في صناعة المستقبل ليكون مع الفاعلية المرتقبة أحد أهم أبطال النهضة التنموية عند محاولته إدارة الشأن العام بصناعة جيل الغد بالموارد المتاحة، بما يحول دون حصول المغامرات غير المحسوبة المتكررة، خصوصاً في السياسة والأمن والإقتصاد والإجتماع.

مؤسس الحركة الكشفية اللورد بادن باول
مؤسس الحركة الكشفية اللورد بادن باول

ما يؤكد هذا الدور إمتلاك الحركة الكشفية عموماً واللبنانية منها خصوصاً الأسس البنيوية الصلبة التي يمكن التأسيس والبناء عليها في أنها وفي أحلك الظروف من سيادة للعنف وانقسام سياسي وتفكك للنسيج الإجتماعي إبانَ الحرب الأهلية اللبنانية وما تلاها من مشادات مماثلة. حتى الآن حافظت الكشافة على قانونها ووعدها بأن الكشاف أخ لكل كشاف بغض النظر عن انتماءاته المختلفة لأن الإنتماء الوطني والإنساني فوق كل اعتبار، ويصدق هذا الدور في العموم المجتمعي الحاضن المباشر وغير المباشر للحركة الكشفية.

وعليه فإن إتحاد كشاف لبنان الجهة الرسمية الريادية الحاضنة للحركة الكشفية اللبنانية (33) جمعية، كما المنظمة الكشفية العربية الحاضنة للحركة الكشفية العربية، وكذلك بالنسبة للإتحاد العالمي للكشاف المسلم بحضانته للحركة الكشفية الإسلامية، نرى أن الثلاثي الكشفي الذهبي إياه مع الاتحاد العالمي أمام تحدِ التنسيق المزدوج على المستويين العامودي والأفقي، بما ينسجم والدور الجديد الذي بانت ملامحة في مبادرة “رسل السلام العالمية” كثمرة مباركة للحوار الحضاري الذي أطلق مبادرته الريادية جلالة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز رحمه الله “رجل السلام” الذي عرفه العالم أجمع بدعمه للسلام.

وذلك من خلال المشروع الكشفي العالمي للسلام، ودعوته للحوار من خلال مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني بالرياض، ومركز الملك عبد الله بن عبد العزيز العالمي للحوار بين الأديان والثقافات في العاصمة النمساوية فيينا. والتي تؤكد بمضمونها “أن العدالة بكل مخزونها الرمزي والمعرفي، ومضمونها السياسي والإجتماعي، هي السبيل إلى التنمية ولتجاوز محن الفقر والتهميش والغلو والعنف والإرهاب”. وإن التحوّل الديمقراطي في مجتمعنا، وإن كانت تكتنفه العديد من الصعوبات والتحدّيات والهواجس، ولكننا نعتقد وبعمق أن هذا الخيار هو أسلم الخيارات وأقلُّها خسائر وتداعيات.

تؤكد مصادر كشفية عربية رفيعة، أن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز سيواصل مسيرة السلام الكشفية التي تبناها ورعاها الملك الراحل. ويشار إلى أن جلالة الملك سلمان يحمل عضوية زمالة بادن باول الكشفية العالمية وشرف سموه العديد من المناسبات الكشفية ومنها:”إستقباله لوفد الصداقة الكشفي الأمريكي عام 1403هـ ، ورعايته لمعرض السلام العالمي الذي استضافته منطقة الرياض عام 1429هـ بحضور ملك السويد الرئيس الفخري لصندوق التمويل الكشفي “كارل جوستاف السادس عشر” الذي أقيم في مركز الملك فهد الثقافي، وتشريفه لحفل التكريم الكشفي الثاني الذي أقيم في مركز الملك عبدالعزيز التاريخي عام 1428هـ ، واستقبال سموه للمشاركين في المؤتمر الكشفي العربي الثالث والعشرين عام 1423هـ، واستقباله للمشاركين في خدمة الحجاج للعام الماضي 1435هـ ، بالإضافة إلى حضوره وتشريفه للعديد من المناسبات التي أقامتها وزارة التربية والتعليم والإدارة العامة للتربية والتعليم بمنطقة الرياض ومعهد العاصمة النموذجي التي شهدت الكثير من الفعاليات الكشفية”.

إن تنشيط عمليات إستقطاب الفراشات من ألسنة لهب العنف والتشدد والإرهاب تتطلب خلق حوافز جدية تأخذ بعين الإعتبار القدرة في المساهمة على حل مشاكل الشباب وتلبية إحتياجاتهم المتصاعدة في ضرورة تأسيس مسار مستقبلي متطور.على أن يتم ولوج هذا المسار عبر الثقافة مدخلاً للإصلاح الإجتماعي بعيداً عن الادلجة والتسييس. هذا المضمون الحضاري للحركة الكشفية تؤكده رئيسة جمعية كشافة لبنان المستقبل سعادة النائب بهية الحريري في كل عناوين وتفاصيل ممارساتها السياسية والإنسانية وفي قيادتها الكشفية ومبادرتها نحو تعزيز ثقافة المواطنة تأتي في عمق سياق هذا التوجه التربوي الوطني والإنساني.

 

 

شاهد أيضاً

حرب على جبهتين

تحرير: ماغي الحاصباني. هل سمعت يوماً بحرب بلا طرفي نزاع يتبادلان اطلاق النار؟، حرب قد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *