تحرير: محمد ع.درويش.
توفي الفنان اللبناني العالمي موسى طيبا عن عمر يناهز 75 عاماً، أمضاها في العطاء الفني الذي أغنى فيه الحياة الجمالية بفرادة لوحاته التجريدية، وهي التي طبعت برسمها أبعاداً كان إيحاؤها الإنسان والإنسانية.
ولد موسى طيبا في تربيخا (فلسطين) عام 1939، حيث تفتحت طفولته على عناصر الجمال في الطبيعة الصرفة، وفي بلدة قانا الجنوبية، شب صبياً يتأمل أسرار الجمال يقرأ في كتاب السماء والجبال التي رافقت سني عمره الأولى آيات من الخيالات والرؤى التي أثمرت منذ أيام شبابه الأولى.
أصابت الأحداث التي عصفت بلبنان عام 1975 الفنان، وفقد عام 1976 مسكنه ومحترفه ولوحاته، كما فقد بعض زملائه وأصدقائه الفنانين. بعد انتهاء دراسته الثانوية، أكمل دراسته في الأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة في بيروت (1957-1961، تعلِّم تقنيات الرسم المختلفة بإشراف أساتذة فرنسيين، حيث تعرف على التيارات الفنية الكبرى وأتقنها.
بعدما حاز على الشهادات التي تمنحها الأكاديمية اللبنانية، أراد أن يكتشف العالم أكثر، وفي العام 1964، انتقل إلى لندن حيث تابع دراسة الفن، ثم بين عامي 1965-1967، درس وتخرّج من أكاديمية الفنون الجميلة في روما، وعاد ليصبح أستاذاً لمادة تكنولوجيا الفنون في معهد الفنون في الجامعة اللبنانية – الفرع الأول عام 1971.
حملته الحرب الأهلية في العام 1986 على الهجرة إلى فرنسا، حيث زاول نشاطه الفني هناك، وأقام نشاطات ثقافية مختلفة على هامش عروضه التشكيلية، واستمرت هجرته 15 سنة، عاد بعدها إلى بلدته قانا حيث حوّل منزله إلى معرض دائم للوحاته، فبلغ عدد أعماله نحو 250 عملاً فنياً موزعة بين منحوتة ومجسّمة وأكواريل ومائية تم إنجازها ما بين 1962 و2002. شارك في العديد من المعارض الدولية والوطنية، إضافة إلى معارضه الخاصة.
موسى طيبا… منذ نعومة أظفاره وهو يحلم بالترحال. كانت رحلته الأولى من قريته الجنوبية تربيخا إلى بيروت، أما رحلاته الأخرى، فلا تسل … من بيروت سافر إلى فيينا ولندن وروما، وغيرها من المدن الأوروبية، وأخيراً حط الرحال في فرنسا، وبالتحديد في شارتر بالغرب من باريس. ومنذ ذلك الحين، نجده تارة في شارتر حيث محترفه الفني، وطوراً في لبنان حيث متحفه ومعرضه الدائم في قرية قانا الجنوبية.
أما حلمه الثاني والأهم، فهو الرسم الذي كان وراء تجواله من مكان إلى آخر. ومع مرور الأيام، استطاع موسى طيبا أن يجد مكانه تحت الشمس، من خلال أعماله التجريدية التي لا تشبه أية أعمال أخرى، بحثاً عن غموض الكون وأسرار الحياة، محاولاً تفسير ذلك عبر لغة الألوان الزاخرة أيضاً بالأسرار والغموض… والتجدد، وداوني بالتي كانت هي الداء! موسى طيبا، الذي أعرفه منذ سنوات طويلة، ولا أراه إلا في مناسبات متباعدة، هذا المواطن العالمي، والغجري المسافر من مكان إلى آخر، كرّمته “الحركة الثقافية – انطلياس” في العام 2013 كعَلَم من أعلام الثقافة، حمل أصالته المشرقية إلى أوروبا، مؤكداً بُعده العالمي في مجال الأبداع الفني.

موسى طيبا بنى لوطنه متحفاً في جنوب لبنان الجريح وبرحيله فقد لبنان علماً من أعلام الفن ورمزاً من رموز الثقافة.
بين بيوت قانا الجريحة في قلب الجنوب اللبناني وعبر طريق ضيقة تكاد لا تلحظ، ينتصب منزل تزين جدرانه تشكيلات ابتدعتها ريشة رسام أراد استباق الوقت قبل أن يدهمه فأقام لأعماله متحفاً في منزل عائلته الكبير.
موسى طيبا إبن القرية الجنوبية التي ردد العالم صدى اسمها بعد مجزرتين دمويتين مرتكبهما واحد بفارق عشر سنوات (1996 و2006)، عاد إلى بيت أبويه متأبطا لوحات شكلها على مدى نصف قرن تقريباً، وتنقلت بين القرية والمدينة بيروت والمهجر الفرنسي.
وفي القرية التي تبعد نحو 95 كيلومتراً من بيروت، يقول موسى طيبا “أريد أن أعيش حياتي قبل أن أنتهي”.
رحل الفنان اللبناني العالمي موسى طيبا عن عمر ناهز 75 عاماً، أمضاها في العطاء الفني الذي أغنى فيه الحياة الجمالية بفرادة لوحاته التجريدية، وهي التي طبعت برسمها أبعاداً كان إيحاؤها الإنسان والإنسانية.
روني عريجي نعى الفنان العالمي موسى طيبا:
نعى وزير الثقافة المحامي روني عريجي الفنان موسى طيبا ببيان جاء فيه:
“تبلغنا بمزيد من الأسف وفاة الفنان اللبناني العالمي موسى طيبا ، هذا الفنان الذي ترك بصمات عديدة بفرادة لوحاته وإنسانيتها المتآتية من اختلاط الثقافات والحضارات هو المولود في فلسطين والمترعرع في قانا والمسافر الدائم في أرجاء العالم بحثا عن إضافة جديدة أو صورة مبدعة ينقلها نحتاً أو رسماً زيتياً أو مائياً إلى معارضه الدولية العديدة أو معرضه الدائم في قانا .
إننا اذ نتقدم من عائلته ومن جمعية الفنانيين اللبنانيين للرسم والنحت بالتعازي نسأل الله أن يتغمده برحمته”.
وكالة أنباء العاصفة العربية
