لبناننا حديقة من حدائق الله الفردوسية في هذا الكون. إنه كوننا الكبير، وإن صغرت مساحته. وهو كون الأرض الخضراء وليس كون الصحراء. ولئن أصحر أرضاً خلال خمسة عشرة عاماً من الحرب، إلا أنه لم يصحر روحاً. ولن تُصحر هذه الروح أبداً، ما دام للبنان أمثالكم من الشباب يبعثونه حياً كل ما زين للناس، إنه أمسى غابة للظلام بعد أن كان منارة للنور، وإنه يبيت على الظمأ بعد أن كان النبع المتدفق، وأنه مسخ بؤرة التقاطع بعد أن كان واحة التواصل، وإنه يهتز ساحة للتقاصف، بعد أن كان يترنم منبر للتحاور. وإن وجودكم هنا أيها الشباب، لتحيوا حديقة العاصمة، إن هو إلا تعبير عن رفضكم الصورة القاتمة للبنان، وعن تصميمكم على إعادة نضرة الحياة لكل شبر من أرضه، ولكل غضن من أشجاره، بل لكل نفس من نفوس أبنائه.
وان ذيول حديقة الصنايع هو إنذار بذيول كل لبنان. وإن اخضرار هذه الحديقة هو بشير باخضرار كل لبنان. وتخضير حديقة قد يبدو مشروعاً صغيراً، إلا إذا كان إيذاناً بالمشروع الكبير مشروع تخضير كل الوطن أي مشروع تخضيره وتحريره وتوحيده.
وأنتم أيها الشباب، أنتم المخضرون والمحضرون والمحررون والموحدون. ولا تصدقوا من يقول لكم، أن علينا أن نعتمد على قرارات قمم الإخوان والأصدقاء، لتعيد الحياة للبنان. فتسنم قمم لبنان هو الأهم. وهذه القمم هي في قلوبكم وعقولكم. وقمة القمم هي إرادتكم الخلاقة.
وإن إخوانكم في ندوة الدراسات الإنمائية لفخورون بكم، لأنكم صمدتم في وطنكم لتحيوه، بينما هجره غيركم معتقداً أنه انتهى. ولذلك حرصوا على أن يختتموا مؤتمرهم الوطني الرابع عشر للإنماء مؤتمر إعادة تأهيل الإنسان، بالتشارك معكم في هذا المهرجان الإنمائي بل الإحيائي لهذه الحديقة المهجورة.
وتأهيل الإنسان وتأهيل الطبيعة يتلازمان. وقد انقضى الوقت الذي كان فيه الإنماء استنزافاً لموارد الطبيعة وتشويهاً لجمالها وتلويثاً لصفاتها. وأصبح الخضر الآن حماة الإنسان وحماة الطبيعة وحماة الإنماء السليم. وأنتم أيها الشباب خضر لبنان بحمايتكم إنسانه وطبيعته وتعهدكم إنماء هو مصيره الأخضر يتوقف عليكم.
وأنتم تنقذونه بتصديكم كشافين، ورعاة اجتماعيين، ومتطوعين مدنيين، لاغاثة الملهوف، وارواء الظاميء، واطعام الجائع، وإسعاف المصاب، وتنظيف الشارع، وتنقية الهواء.
فظل لبنان يتنفس برئة كل منكم.
وستعود رئتاه للتنفس من صدوركم.
وها أنتم تتيحون لحديقة الصنايع أن تستعيد أنفاسها. فوطدوا العزم على أن لا تنقطع هذه الأنفاس بعد اليوم أبداً.
وتعاهدوا عهداً لا رجوع عنه، على أن تعيدوا كل الأنفاس لكل حدائق لبنان، بل لكل لبنان.
فلا يكون لقاؤونا هذا اليوم فسحة عارضة بل فرصة نادرة لنجعل من لبنان أجمل الأوطان، كما سنجعل من هذه الحديقة أجمل الحدائق. إن المسلحين جعلوا من لبنان مقبرة للأموات، ولكنكم أنتم الخضر ستبعثونه روضة الأحياء. والحياة بالحب أقوى من الموت.
ونحن على يقين بأن كل المراجع المعنية، من رئاسة الجمهورية لرئاسة الحكومة، ومن أهل التشريع لأهل التنفيذ، ومن وزارة الداخلية إلى المحافظة فإلى رئاسة البلدية، إن كل هذه المراجع ستؤازركم في مهمتكم، لأن ديموقراطيتنا ستكون بعد اليوم ديموقراطية المشاركة بين المواطنين، وديموقراطية التعاون بين الشعب والدولة.
فليحيا لبنان.
وليحيا أبناؤه متحابين متعاونين. وليحيا رئيسه وسيدته الأولى راعيين لتحاب المواطنين وتعاونهم.
كلمة الأمين العام لندوة الدراسات الإنمائية الدكتور حسن صعب رحمهُ الله، خلال المهرجان الإنمائي لحديقة الصنايع: 30 / 6 / 1990.
المصدر: محمد ع. درويش.
وكالة أنباء العاصفة العربية

