تحرير: د. هشام نشابة.
مقدمة:
لو أردنا أن نصنف حسن صعب بين الناس لما اختلف إثنان على اعتباره إنساناً يفيض حيوية ونشاطاً وحباً للناس وللعمل، مع قدرة فائقة على التنظيم والإنتاج حتى في أعسر الظروف.
ولو أردنا أن نصنفه بين المفكرين لما حصلنا على الإجماع الذي نتوصل إليه في التصنيف الأول. إذْ قد يعتبره البعض مفكراً سياسياً بالدرجة الأولى. فقد كتب أول ما كتب عن القومية العربية والديمقراطية، ولم تفارقه هموم السياسة المحلية والدولية حتى آخر أيام حياته. ويغريني الحديث عن الفكر السياسي عند حسن صعب خاصة ما كتبه في موضوع القضية الفلسطينية ونظام الحكم في لبنان وبعض رجال السياسة فيه. ولكن هذا يبعدني عما كلفت به في هذا المقام.
ورب قائل: “بأن حسن صعب هو بالدرجة الأولى مفكر تربوي”، فقد كتب عن ثورة الطلاب في العالم، وعن الطالب الجامعي في لبنان، وعن اليونسكو والإلكسو، وعن الإبداع في التربية والإنماء، و كأن الشأن التربوي هو شغله الذى لا شاغل له غيره.
ثم كتب حسن صعب في الثورة الإعلامية المعاصرة، وكتب في الإنماء، فكانت له جولات موفقة تجعله مفكراً إعلامياً و إنمائياً متميزاً. ولكن حسن صعب نشأ نشأة إسلامية وبقي متأثراً بهذه النشأة طوال حياته فهو مسلم بحكم التنشئة والتربية والإعتقاد. وهو مسلم بعد ذلك يحكم التفكير الواعي، وأعمال العقل والمنطق والفلسفة والشريعة، وهو في ذلك على مذهب ابن رشد الذي طالما استشهد بآرائه في كتاباته المتأخرة عن الإسلام.
وحسن صعب مسلم عربي يعتز بتراثه العربي ونتاج الحضارة العربية في الشرق كما في الغرب. ولكن هذا الاعتزاز لا يقف عند تمجيد التراث والتغني به. بل انه يرى في مجرد التمجيد والتغني بالتراث هروباً انهزامياً من الحاضر المتردي الى الماضي. وهو لذلك يدعو الى توظيف الماضي العربي في سبيل صياغة المستقبل العربي لا على شكل الماضي بالضرورة وانما ليكون المستقبل العربي جديراً بماضيه المجيد.
ثم يتعرض البناء الفكري عند حسن صعب إلى التأثيرات الغربية فيحيط الفكر الغربي – السياسي والفلسفي منه بوجه خاص، والحضارة التكنولوجية الحديثة بوجه عام بفكر حسن صعب حتى يكاد يطغى تأثيرهما (أي الفكر الغربي والحضارة والتكنولوجية) على كل أثر سابق. فيعجب حسن بهذه الحضارة، وذاك الفكر ايما أعجاب وترى ذلك واضحاً في جميع كتاباته. ثم تأتي كارثة فلسطين وخيبة الأمل المريرة التي أصيب بها كل مثقف عربي، فيرى كيف أن هذه الحضارة الغربية يمكن أن تكون ظالمة طاغية؟ لا تقيم للقيم أو للمواثيق والعهود وزناً أمام المصاح.
ومنذ 1948 تكثر في كتابات حسن صعب الدعوة للثورة الفكرية الضرورية – ثورة الطلاب والثورة الثقافية، وتحديث العقل العربي، وثورة في المفاهيم الدينية، والثورة الإنمائية للإنسان العربي ثم لكل إنسان وكل الإنسان. ويتلازم فكر حسن صعب مع الثورة اللازمة حتى آخر عمره.
هذه في نظري العناصر الأساسية التي يتكون منها فكر حسن صعب عموماً: الإسلام، العروبة، الفكر الغربى، كارثة فلسطين ثم الثورة اللازمة. ولا ممكن تحليل الفكر الديني عند حسن صعب دون أخذ هذه العناصر المكونة لفكره عموماً في الإعتبار.
فكيف ظهر تأثير هذه العناصر الفكرية في الفكر الديني عند حسن صعب؟
يرتكز الفكر الديني أو الإسلامي عند حسن صعب على المحاور التالية:
الحرية ، الحوار، العقلانية المتدينة ، الثورية الإجتهادية.
الحرية:
الدين، يعني الإسلام ، هو دين الحرية وكل ما يقيد الحرية ليس من الإسلام في شيء. والحرية هي بالضرورة حرية مسوؤلة لا حرية الفوضى. لقد خص حسن صعب هذا المحور الأساسي من تفكيره بكتاب سماه إسلام الحرية لا إسلام العبودية، يبينُ فيه أن حرية المسلم تنبع من عبوديته لله وحده. وكل دين أو مبدأ لا يضمن الحرية فهو بالضرورة دين أو مبدأ أو عقيدة فاسدة.
هنا تصبح الحرية هي المعيار الذي توزن على أساسه الأديان والمباديء. وهذا موقف لا يقره عليه الفكر الديني التقليدي لأنَّ المعيار الذي يقاس به صلاح الأمور أو فسادها هو مطابقة الأمور للشرع أو خروجها عنه. فالصالح هو ما أقره الشرع والفاسد هو ما يعارض الشرع. الحرية في نظر الفكر الديني التقليدي هي “الحرية الشرعية”، أي التي تتحرك في حدود الشرع فإن خرجت عنه باتت زندقة أوكفراً أو إلحاداً. لذلك فإن تأكيد حسن صعب على اعتبار الحرية معياراً أسمى، هو ما جعل حسن صعب يختلف مع المتدينين التقليديين والفقهاء.
وفي اعتقادي أن الخلاف ظاهري وليس خلافاً في العمق. لأن حسن صعب إنساناً مؤمناً، ولذلك فهو حتماً مُقر بمرجعية النص الإلهي الذي يستمد منه مفهوم الحرية التي خص الله بها الإنسان. ولكنه إنسان يرفض أن يتحكم بحريته ويفرض عليها القيود أي مرجع إنساني مهما علت منزلته.
النص الإلهي وحده المحدد للمفاهيم والقيم. والعقل الإنساني، وحده هو القادر على وعي مفهوم النص. وإن النص والعقل كلاهما، عند حسن صعب ، يضمنان الحرية باعتبارها أعظم ما أنعم به الله على الإنسان يوم جعله في الأرض خليفة، وسخر له ما عليها من حيوان ونبات ورزق حلال.
والحرية هي التي جعلت الإنسان يرى الله المثل الأعلى للحق والخير والجمال ، فيظل دائماً وأبداً المجاهد الإنهائي لتصيير الكون وجعل المجتمع المتجسد الحي لهذا المثل الأعلى”. في كتاب (إسلام الحرية… الصفحتان: 14 – 15). إنَّ هذا الموقف يترك مجالاً واسعاً للجدل مع التوجه العام للفكر الإسلامي. فالله “ليس كمثله شيء” (الشورى/11)، وهو لا يتجسد بل إنه سبحانه وتعالى أكثر من مثل أعلى، إنه الله و حسب.
ولكن مفهوم الحرية عند حسن صعب مرتبط غالبا بالمعنى السياسي – أي الإجتماعي لهذه الحرية. فهو يريد للمجتمع الإسلامي أن يكون ضامناً للحرية، لكي يتمكن الفكر فيه من أن يتحرر من الخوف والإضطهاد ومن طغيان السلطة لتقوم “ثورة إسلامية جديدة”. (إسلام الحرية لا إسلام العبودية. ص 16). هذه الثورة التي تحقق للإنسان جميع حقوقه كاملة في داره ودار الإنسان. وهكذا تكون الثورة الإسلامية، ثورةً إنسانية شاملة.
إن الخطورة في هذا التفكير – ولا أقول الخطر – أن الإنسان الحر لا يؤمن إلا بما يؤمن إلا بالفضيلة التي يقتنع بها. وقد وقف عددٌ مِنَ فلاسفة الغرب هذا الموقف من الفضيلة ، أولهم سبينوزا، ومن بعده هيكل وماركس، وأوغست كونت، وكانت من نتيجة فكر هؤلاء وغيرهم:”أن اكتنف معنى الفضيلة عند هؤلاء جميعاً إبهامٌ كبير”. هذا الإبهام في مفهوم الفضيلة، ومن ثم في مفهوم الخير، ومفهوم الجمال نتجت عنه فوضى فكرية خطيرة، فأجيزت أفعال واستحسنت أمور لأن العقل الإنساني استساغها في ظرف معين ولغرض معين.
وتحت تأثير هذا الإتجاه العقلاني قال هامنغواي:” أن العمل الفاضل هو ما أشعر بالراحة بعد القيام به، والرذيلة هي ما يورث عندي الشعور بالندم.
Morality is what you feel good after
Immorality is what you feel bad after
وهذا التوجه الفكري وصل إلى ذروته عند نيتشه الذي رفع العقل الإنساني إلى درجة أن الإيمان با لله غير ضروري أو غير ذي موضوع، ولذلك قال نيتشه في آخر أيام حياته:” بأن الإنسان العقلاني قتل فكرة الله”.
أستنتج مما تقدم أن العقلانية الحديثة لا تتفق مع الدين إلا إذا تلازمت مع تواضع العقل أمام الحقيقة المطلقة، وإقراراه بحدوده، وإمكانية وقوعه في الخطأ، وأن فوق كل ذي علم عليم. وأن الإنسان الفاضل لا يكون فاضلاً عن طريق الإهتداء بعقله وحسب، وإنما يحتاج إلى هُديٍ إلهي أيضاً، بل إنه يحتاج أيضاً إلى مجتمع ليمارس فيه الفضيلة. فكما قال دوريكهايم:” لا توجد الفضيلة إلا في المجتمع”.
الحوار:
آمن حسن صعب بالحوار من منطلق إيمانه بأن المؤمنين أخوة، وبأن هذه “الإخوانية” في الإيمان لا تقتصر على المسلمين وحدهم وإنما تشمل كل المؤمنين با لله الواحد الذي لا شريك له، أي أخوة المسلمين مع الكتابيين (اسلام الحرية … ص 32). وهو في حواره مع الكتابيين ينطلق من القرآن الكريم فيستشهد بآياته البينات وخاصة قوله عز وجل :” إنَّ الذين آمنوا، والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن با لله واليوم الآخر، وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم، ولاخوف عليهم ولا هم يحزنون”،(سورة البقرة، الآية62)، وأحسبُ أن هم الحوار الذي شغل حسن صعب نابع من معاناته لواقع وطنه والعالم في أيامنا هذه. فهو يريد أن يرى الحوار الفكري المبني على الإعتراف بالآخر، وبحرية الرأي أساس العلاقة بين أبناء وطنه وبين الناس جميعاً. وهو ناقم على الذين أحلوا الحروب محل الحوار فحولوا الدين عن مقاصده السامية وجعلوه سبباً لبعض هذه الحروب.
المشكلة في هذا الموقف تكمن في أن نجاح الحوار لا يتوقف على المسلمين وحدهم بل على جميع أطراف الحوار. إذْ لا يمكن للحوار أن يؤتى نتائجه المرجوة أي التفاهم والإحترام المتبادل إلا إذا تخلى المتحاورون عن اعتبار الحوار وسيلة من وسائل التبشير. وهو إتجاه له أنصاره بين أتباع الأديان الموحدة :”الإسلام، والنصرانية، واليهودية”. ولكن الحوار قد يستعمل لإفساد العقيدة وبذر بذور الشك، وهذا ما جعل العديد من أنصار الحوار يتنكرون له بعد إيمانهم به.
وأخشى ما تخشاه أن تطغى الرغبة في التقارب بين أتباع الديانات الموحدة لدرجة التخلي عن خصوصيات كل من هذه الأديان وطغيان موجة من السطحية الفكرية والتعلق عند المتحاورين، كل ذلك في سبيل تقريب وجهات النظر. ولأنَّ حسن صعب لم يكن سطحياً ولا متملقاً ولا متنازلاً عن خصوصيات الفكر الإسلامي، فإنَّ دعوته للحوار لم تجد التجاوب المطلوب فاعتبره المسيحيون متزمتاً بينما اعتبره المتزمتون من المسلمين متسامحاً أكثر من اللزوم.
العقلانية المدنية:
حسن صعب “عقلاني متدين” أي أنه من أتباع إبن رشد. فهو لا يخفي إعجابه بالفيلسوف والفقيه الإسلامي الكبير كلما تطول لموضوع موقف العقل من الدين. وأهمية هذا الموقف العقلاني في نظري أنه يبعث نشاطاً فكرياً فلسفياً في ميدان الفكر الإسلامي، خبا أواره منذ زمن بعيد. وليس كالفلسفة محرك للفكر، فلم يجمد الفكر الإسلامي إلا يوم أصبح رجال الشريعة أصحاب الفلسفة في تاريخنا. ولن ينشط الفكر الإسلامي الحديث إلا إذا أعيدت للفلسفة مكانتها في إطار هذا الفكر.
وقد كانت لحسن صعب جولات موفقة في هذا السبيل، ولكنها انصبت في مجملها في ميدان فلسفة الفكر السياسي. وأعتقد أن هذا الجانب من فكر حسن صعب يستحق بحثاً خاصاً. وكم تمنيت عليه رحمه الله أن يتوسع في دراساته للفكر السياسي الإسلامي حتى تتبلور لديه نظرية متكاملة للدولة الإسلامية.
النظرية الاجتهادية عند حسن صعب:
أعجب حسن صعب إعجاباً كبيراً بالفيلسوف محمد إقبال. وإقبال كما هو معروف مفكر ثوري إسلامي وجد في التصوف الإسلامي وفي مبدأ الإجتهاد بذور الثورة الفكرية الإسلامية، فصاغ تفكيره في ست محاضرات فلسفية دعا فيها لإعادة البنية الفكرية الإسلامية.والتصوف الإسلامي، تماماً كالفلسفة في الإسلام ، مصدر طاقة حركية فكرية هائلة، لذلك لا عجب أن لاقى محمد أقبال في نفس حسن صعب مكانة خاصة. فالنفس الإنسانية التواقة دائماً للجديد، الساعية دائماً إلى المعرفة والقرب من المثل الأعلى، تجد في النفحة الصوفية ملاذاً مشرقاً.
ثم ان الجانب الصوفي من الفكر الإسلامي يلقى تجاوباً خاصة عند المتدين، نصرانياً كان أم يهودياً، ولذلك فالحوار أسهل وأنجح مع المتدينين إذا كان إنطلاقهم من منطلق صوفي. ولذلك كان لا بد لحسن صعب في دعوته الثورية الإجتهادية الإسلامية، والحوارية من أن يخص الجانب الصوفي بحزء من اهتمامه.
وبعد، فقد ركزت على بعض جوانب الفكر الإسلامي عند حسن صعب، ولعلها ليست الأهم. فان قصرت فعذري أن فكر حسن صعب لا يمكن إيجازه في بضع صفحات. وأملى أن أكون قد وفقت في إقناع من لم يقرأ حسن صعب قراءة متأنية أن يقرأه اليوم. فليس من تكريم لرجل الفكر أكبر من أن يقرأ وينقد، ليستمر نور فكره وقاداً وأثره باقياً.
وكالة أنباء العاصفة العربية

