تحرير : الأُستاذة ميساء عبو ( نائب رئيس تحرير الوكالة) .
أنظروا معي إلى مشهد هذه الطفلة , إبنة الثلاثة أشهر التي عانقت روحها السماء منذ حوالي اليومين . هذه الطفلة الرضيعة الّتي عُذبت بدم بارد , فكسرت أضلعها , لكنها لم تمت ولم تستسلم , إلى أن خنقها أحدهم ليُسكت الحياة فيها . فخرجت روحها من جسدها فاستراحت ونامت بهدوء في مكانٍ أكثر أماناً من حضن والديها . فما حصل هو أكثر من جريمة قتل , إنَّ ما حصل هو أبشع أنواع التعذيب .
فهذا المشهد هزَّ كياني واستفزني لأبعد الدرجات , فما ذنب الرضيعة لترى من حداثتِها ما نرفض أن يراه الجميع ؟!!! ، وإزاء هذا المشهد المرير ألا يتطلب منا أن نتكلم ، أم يتطلب منا الصوم كالعادة عن الكلام والقبول بالأمر الواقع ونكتفي بقول ” يصطفلو” . فالحقيقة تبدو جلية أمامنا فهناك من تعدى وعذَب وضرب الطفلة حتى الموت , ليخرج من يعترف أن أحدهم جلس على الطفلة دون الإنتباه لها , أو وقعت من مكان عالٍ . فأقول لمن اعترف بذلك عذراً , فهل نحن أغبياء؟ أم ماذا؟ ،ألا تجدون جميعكم في هذه الحادثة إنتهاكاً لجميع حقوق هذه الطفلة ؟!!! ، ألا تستحق هذه الجريمة النكراء أن نقف عند محاسبة أنفسنا على صمتنا ؟ , ثم المطالبة بمحاسبة من افتعل الجريمة كائناً مَن كان .
فهل يحق لمرتكب هذه الجريمة أن يقتل البراءة ، ويظل طليقاً دون أن ينال عقاباً عادلاً ؟، فأرواح هؤلاء الأطفال ليست ملكاً لأحد ليتصرف بها متى يشاء ، وساعة يريد ويرمي بها إلى التهلكة. وبما أنهُ مِنْ حق كل طفل الحصول على الحياة الكريمة والحماية والأمان , فهذه كلها حقوق مشروعة لكل كائن حي نوى أهله إنجابه إلى هذه الحياة . وما حصل مع الطفلة الرضيعة هو انتهاكٌ كامل لحقوقها , فهل سنظل صامتين حيال مثل هذه الجرائم , ومكبلين ؟ , فهذه الجريمة هي إحدى الجرائم الأخيرة التي كان لنا نصيب في إلقاء الضوء عليها , عدا عن العديد من الجرائم التي لم يتم الإفصاح عنها واندثرت بموتهم .
هل من المقبول أن تنتهك حقوق هذه الطفلة قبل موتها؟!!! ، أقول لمن قتل وانتهك براءتها أنت الّذي لا يستحق الحياة .فهذه الطفلة تسمعنا من عليائها صارخةٌ , تسأل العالم بأسره :” بأي ذنبٍ أقتل ؟” وتسأل والديها : هل هذا هوعقابي لأنكما منحتماني الحياة ؟ ، هل قتلت لأنني أشكل عبئاً عليكما في الحياة أم لأنني فتاة ؟ ويا للمصادفة , كيف أن معظم جرائم العنف الأسري تقع بأكثرها على الفتيات .
هذه الطفلة حملتنا الأمانة وتطلب من ضمائرنا التيقظ وتطالب وتناشد وتستنكر وترفض ما حصل لها دفاعاً عن حقوق أطفالٍ أخرين قتلوا بنفس الطريقة وحقوق أي طفل سيقتل بهذه الطريقة , وتدعو كل مهتم بحقوق الطفل من آباء وأمهات وكل جمعيات المجتمع المدني والمنظمات التي تُعنى بالأطفال وتدافع عن حقوقهم , تدعوهم جميعهم إلى المطالبة بمحاسبة الجناة ، وإلى التحرك لمنع تكرار مثل هذه الجرائم في المستقبل القريب لأن الجاني عندما لا يلقى عقابه , سيفتح الباب أمام غيره لإرتكاب جرائم أفظع .
فليبادر كل منا إلى اتخاذ موقف كرد فعل لا أكثر , لأننا جميعنا نعلم أن هناك “العنف الأسري” الذي يمارس وراء حيطان المنازل على النساء والفتيات في الأسرة . فلم يعد مقبولاً تكرار مثل هذه الجرائم في مجتمعنا , ولم يعد مقبولاً وقوع جريمة على شكل فضيحة حتى يبادر المعنيين إلى اتخاذ الخطوات المناسبة . فالعنف الأسري الذي يمارس في كل دقيقة ضد الأطفال لا يزال موجوداً ولم يختم بقصة هذه الطفلة الضحية فقبلها كان العديد من الأطفال , ومن يعلم الدور على مين !!!
ونأمل بأن تكون هَذِه الطِفلة آخِر حبة في سِبحةَ الجرائم بِحقِ الطفولة والانتِهاكات لحُقوق الطِفل . هَذِه الملاك الصغيرة الّتي قُتِلَت ظُلماً فكُلَّ ذنبها أنَّها بريئة وطاهِرة لا تعرِف معنى الغدر ، ولا تعرف معني الدِفاع عن نفسِها ، ونرجو مِنَ الله أن يُحاسِب الجُناة بأشد العِقاب في الدُنيا والآخرة ، عملاً بقولهِ الكريم ” ولكُم في القِصاصِ حياةٌ يا أولي الألباب ” .
وكالة أنباء العاصفة العربية
