لبنان ودع منح الصلح بمأتم رسمي وشعبي ورثاهُ العظماء

تحرير: محمد ع.درويش.

شيّعت بيروت وعائلة الصلح، المفكر والكاتب اللبناني والعربي منح عادل الصلح في مأتم رسمي وشعبي مهيب، وأمَّ مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان المصلّين على جثمان الفقيد في مسجد الخاشقجي.

شارك في التشييع رئيس الحكومة تمام سلام، النائب علي بزي ممثلاً الرئيس نبيه بري، الرئيس حسين الحسيني، الوزير السابق ناظم الخوري ممثلاً الرئيس ميشال سليمان، النائب عمار الحوري ممثلاً الرئيسين سعد الحريري وفؤاد السنيورة، رفعت بدوي ممثلاً الرئيس سليم الحص، سفير دولة فلسطين في لبنان أشرف دبور، الوزراء السابقون:”بشارة مرهج، عصام نعمان، عدنان منصور، وبهيج طبارة”، العقيد علي حسن ممثلاً قائد الجيش العماد جان قهوجي، نقيب الصحافة محمد بعلبكي، المقدم أيمن سنو ممثلاً المدير العام لأمن الدولة اللواء جورج قرعة، العقيد عثمان شمس الدين ممثلاً مدير المخابرات في الجيش العميد إدمون فاضل، وأمين سر حركة “فتح” في لبنان فتحي أبو العردات وقيادة حركة “فتح” في بيروت، منسّق عام الحملة الأهلية لنصرة فلسطين والعراق معن بشور على رأس وفد قيادي من الحملة، وممثلو الأحزاب والقوى الوطنية اللبنانية وفصائل منظمة التحرير الفلسطينية، وشخصيات سياسية وروحية ونقابية وثقافية وتربوية وعسكرية وإعلامية وآل الصلح.

1

وبعدما أمَّ المفتي دريان الصلاة، وُورِيَ الراحل الكبير في ثرى جبانة الشهداء، وتم وضع إكاليل من الورد على ضريح الصلح بإسم رئيس مجلس الوزراء تمام سلام، واللواء أشرف ريفي، ومنظمة التحرير الفلسطينية، وقيادة حركة “فتح” في لبنان.

ونعت مؤسسة حسن صعب للدراسات والأبحاث “الراحل الكبير منح الصلح” وقالت: برحيل منح الصلح يفقد لبنان قامة وطنية كبيرة ويفقد العالم العربي مفكراً كبيراً وفارساً من فرسان العمل القومي، جعل قضية فلسطين في مرتبة القداسة، وآمن بأمتنا العربية وبحقها وقدرتها على احتلال مكان لائق بين الأمم”. ويبقى منح الصلح أحد رموز الوطنية والقومية العربية ومصدر إلهام لنا وللأجيال القادمة. ويموت الأبطال وتبقى قضيتهم أمانة في أعناقنا.

2

وقدّ رثى نقيب الصحافة اللُبنانية الأستاذ محمد البعلبكي الصلح بمقالٍ بعنوان:”منح بك الصلح من سنديانة لبنان الدهرية”، وقدّ أتى في الرثاء:

بغياب منح بك الصلح يخسر الفكر العربي أحد عمالقته.
إنّه من أرومة صلحية متجذّرة في التاريخ اللبناني.

منذ يفاعته في عائلة أعطت الوطن ودنيا العروبة رجالاً كباراً في السياسة والدبلوماسية والوظيفة والأدب والفكر، كان منح الصلح مشرئباً دائماً نحو العطاء. ومع الأيام ناضل في سبيل فكر قومي، فكان رائداً من رواد القومية العربية، وأسّس “دار الندوة” عام 1987 و”اللقاء الوحدوي” عام 1992، والمنتدى القومي العربي عام 1990، والمنتدى القومي الإسلامي عام 1994.

صرف منح بك الصلح عمره المديد متكئاً على عصا الكتابة، فكتب في كبريات الصحف اللبنانية والعربية مقالات في شتى فنون المعرفة، على أنّ الكتابات في الفكر القومي كانت الغالبة. كان عروبياً بامتياز، وحبّه للعروبة رافقه وهو على مقاعد الجامعة الأميركية، وفي هذه الجامعة كان أحد تلاميذي، ويومها توسّمت فيه خيراً.

فمنح الصلح فُطِرَ على قولة الحق والغرف من معجن العلم حتى الثمالة.
كنتُ أحد أساتذته في الجامعة الأميركية، وبعدما تخرّج وانهمك في الحياة الدنيا أسمح لنفسي أنْ أقول:
“كنت له معلماً فغدوت له تلميذاً”.
منح الصلح هذا المفكّر العملاق الذي رحل عن دنيانا يبقى في الذاكرة اللبنانية والذاكرة العربية مفكراً رائداً.
صرف العمر ممسكاً بيراع غمسه في مداد الصدق والعزم. إنه من سنديانات لبنان الدهرية.

المفكر والكاتب اللبناني والعربي منح عادل الصلح رحمهُ
المفكر والكاتب اللبناني والعربي منح عادل الصلح رحمهُ الله

أما الأستاذ هشام نشابة فنعى الصلح فقال فيه: “منح الصلح … رمز من رموزنا”
أخي منح، يا رفيق العمر وصديق الدراسة، الموت حق ولكن الفراق عسير، وكلما كان المفارق صديقاً قديماً، زاد الفراق عسراً، فاذا كان أيضاً أخ فكر وشريك مبدأ بات الفراق مؤلماً.

أتذكر، وأنا أودعك، أيام “العروة الوثقى” وزملاءنا فيها الذين سبقوك لدار ندعو أن تكون خيراً من دارهم في هذه الدنيا. أذكر عماد الحراكي، وسعدون حمادي، وعبد الفتاح الجندلي، وحليم وعاطف دانيال، وهاني الهندي… كانت العروبة، والأمل الكبير بوحدة العرب القضية التي تجمعنا، ليتني اليوم أستطيع أن ألتقي رياض الأزهري وعبد المحسن قطان أطال الله في عمرهما وغيرهما ممن يشاركونني الحسرة على فراقك.

إن من نكد العيش أن يطول عمر الإنسان ليودع أصدقاءه، حبذا لو كان طول العمر للقاء الأصدقاء لا لفراقهم واحداً بعد آخر…، ولكن هذه سنة الحياة تعطيك بيد وتأخذ منك باليد الأخرى… تعطيك العمر وتحرمك من الأصدقاء.

دخلت يا أخي منح ميدان السياسة باكراً، ومن بابها العريض، وقبلنا جميعاً. فبينما كنا على مقاعد الدراسة كنا نعتبر حدود نشاطنا المناقشات السياسية والتظاهرات في حرم الجامعة وفي جوارها، أما أنت فكنت بحكم الإنتماء العائلي، تشارك مباشرة بالعمل السياسي، إذ أذكر كيف كنا نذهب مع ثلة من الزملاء إلى “قهوة شاتيلا” بدعوة منك، ونجلس في أحد غرفها الزجاجية الصغيرة حول طاولة رثة المظهر، ضعيفة القوائم، نكتب معك البيان الوزاري الذي طلب منك سامي بيك الصلح أن تكتبه له، وكان يقول لك: أكتب لي بياناً يهز الناس ويحرك فيهم الروح الوطنية… مثل بيان رياض ــ يعني رياض الصلح ــ فكنت تشركنا في تطلعاتك لما كنت، وكنا عليه، نتمنى للبنان وسائر البلاد العربية من عزة وكرامة وازدهار.

أذكر قلمك الرشيق يتحدث عن الوحدة العربية، عن جمال عبد الناصر، وتعبر عن طموحاتنا في جمع الشمل بين أبناء هذه الأمة بأدبك الراقي وأسلوبك السلس الممتنع، فلا يفوتك العمق في التفكير والنكتة الأدبية.

أذكر خيبات الأمل التي رافقتنا، ولا تزال، ونحن نرى ما آلت إليه بلادنا من تشرذم وضياع، أذكر فلسطين التي أشعلت فيك وفينا جذوة الإيمان بالحق العربي في أرضه وسمائه.

أذكر إنسانيتك التي تمثلت بأحلى مظاهرها في رعايتك للإنسان وحرصك على أن يكون لك إبن روحي يعوضك عن الإبن البيولوجي.

أذكر كل هذا، وأكثر، إذ تفارقنا اليوم لتقول لمن ما زال يحمل لواء الوحدة العربية، برغم كل النكسات التي نزلت بها، ولتذكرنا بأن لا حل لمشكلات هذه الأمة العربية إلا بوحدتها، ولذلك بات تقطيع أوصال هذه الأمة عن طريق التعصب والطائفية والإقليمية والإثنية وتغليب المصالح الفردية ومصالح السلطة على مصالح الأمة هي غاية أعداء هذه الأمة. وتبقى الوحدة غاية الأوطان والشعوب ويبقى منح الصلح أحد رموز الوطنية والقومية العربية ومصدر إلهام لنا وللأجيال القادمة. ويموت الأبطال وتبقى قضيتهم أمانة في أعناقنا.

وإننا في وكالة أنباء العاصفة العربية نرجو من الله أن يتغمد المفكر والكاتب اللبناني والعربي منح عادل الصلح برحمتهِ، وأن يضع مافعلهُ من أجلِ لُبنان في ميزان حسناتهِ، وأن يلهم عائلتهُ الصبرَ والسلوان.

وإنَّا لله وإنَّا إليهِ راجعون

 

 

شاهد أيضاً

“ممَ يتكونُ الإنسانُ؟ إصدارٌ جديدٌ للمرشدةِ التربويةِ الدكتورة شيرين لبيب خورشيد

صدرَ كتابٌ جديدٌ بالتربية الإسلامية للمرشدةِ التربويةِ الدكتورة شيرين لبيب خورشيد بعنوان: “ممَ يتكونُ الإنسانُ؟ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *